عبد الله سليمان الطليان
وكان من بين نصائح واتس عدم الاكتفاء بالاستماع إلى المحاضرات، وضرورة تدوين ملاحظات تفصيلية عما ورد فيها، ثم إعادة صياغة تلك الملحوظات نفسها؛ بغية ترسيخ المعرفة ترسيخا عميقا في الدماغ، وهذا ما فعله فرداي وذهب به إلى ما هو أبعد من ذلك.
في أحد الأيام كشف رايبو عن هذه المجموعة الرائعة من الملاحظات لأحد زبائنه واسمه وليام دانس، وهو عضو في المعهد الملكي المرموق (مؤسسة تسعى لتعزيز أحدث التطورات في مجال العلوم). ذهل دانس وهو يقلب صفحات الفصول التي كتبها فارداي.
في عام 1813م استدعي فجأة من قبل الجمعية الملكية لتعيينه بدل مساعد المختبر الذي تم فصله. تتضمن مهام هذه الوظيفة في الأغلب تنظيف القوارير والمعدات، والكنس، وإشعال النار في المواقد. صحيح أن الأجر كان متدنيا، وأقل بكثير من أجر العمل في مهنة تجليد الكتب، ولكن فارداي لم يكد يصدق حسن طالعه، فقبل بالوظيفة فورا. بعد ثماني أعوام من التدريب المهني المكثف أصبح الآن كيمائيا بارعا بجدارة فضلا عن توسيع نطاق معرفته بالعلوم الأخرى.، في عام 1821م خطر له خاطر عن تلك التجربة، ونفذها فورا؛ إذ أحضر فارداي قضيبا مغناطيسيا، ثم ثبته في وضع مستقيم داخل كوب من الزئبق السائل (معدن موصل للكهرباء)، ثم وضع سلكا معلقا في الزئبق وأبقاه عائما بقطعة من الفلين. وحين شحن السلك بالكهرباء تحركت قطعة الفلين حول المغناطيس في مسار مخروطي الشكل تماما، وظهر نمط الحركة هذا نفسه حين عكس التجربة (تثبيت السلك في السائل).
هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تستعمل فيها الكهرباء لتوليد حركة مستمرة، وكانت هذه التجربة مقدمة لصنع المحركات الكهربائية جميعها. كانت التجربة بسيطة جدا، ومع ذلك كان فارداي هو الوحيد الذي شاهدها بصورة واضحة.
وسار في تجاربه وأبحاثه. وكان اختراعه للأجهزة الكهرومغناطيسية بداية لتكنولوجيا المواتير الكهربائية. وبذلك يصبح أول من جعل الكهرباء شيئا للاستخدام التكنولوجي. وكذلك أول من اكتشف البنزين ودرس مسألة هيدرات الغاز واخترع آلة حرق البنزين.
منذ نشأته في إحدى ضواحي مدينة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا الأمريكية، مطلع سبعينيات القرن العشرين، تكون لدى بول غراهام (المولود عام 1964م) هوس وافتتان بالعرض التلفازي والسينمائي وأجهزة الحاسوب، كان جهاز الحاسوب يبدو مثل العقل الإلكتروني الذي يملك قوة لا حدود لها. وفي المستقبل القريب، أو هكذا يبدو. يمكنك التحدث إلى جهاز الحاسوب، ويمكن لهذا الحاسوب أن يفعل كل ما تريده.
قبل بول في أثناء دراسته الثانوية في برنامج للطلاب الموهوبين الذي يهدف إلى منحهم فرصة عمل مشروع إبداعي من اختيارهم قرر بول تركيز مشروعه على جهاز حاسوب المدرسة، وهو جهاز حاسوب مركزي من نوع آي بي أم كان يستخدم في طباعة تقارير علامات الطلاب والجداول الدراسية، وهذه هي المرة الأولى التي يوضع فيها جهاز حاسوب تحت تصرفه، وبالرغم من أن الحاسوب كان بدائيا، ويحتاج إلى برمجة باستخدام البطاقات المثقوبة، فإنه بدا كأنه شيء سحري (بوابة المستقبل). طوال الأعوام القليلة اللاحقة اجتهد بول غراهام على تعليم نفسه كيفية البرمجة عن طريق قراءة عدد قليل من الكتب عن هذا الموضوع، ولكن أغلبية ما تعلمه كان عن طريق التجربة والخطأ، وكالرسم على لوحة الرسم الزيتي يمكنه أن يرى نتائج ما قام به فورا فإذا كانت البرمجة ناجحة ظهر جانب من جمالية الصواب فيها. لقد كانت عملية التعلم عن طريق التجربة والخطأ تبعث على الشعور بالرضا فكان يكتشف الأشياء من تلقاء نفسه، من دون حاجة إلى اتباع مسار جامد وضعه الآخرون، وكلما أجاد في البرمجة ازداد ما يمكن أن يجنيه منها.
وانطلاقا من سعيه إلى التعمق في دراسته التحق غراهام بالدراسة في جامعة كورنيل التي كانت تضم واحدا من أفضل أقسام علوم الحاسوب في البلاد في ذلك الوقت، وفيها أتيح له أخيرا أن يتلقى تعليما رسميا في المبادئ الأساسية للبرمجة، وتجنب الكثير من العادات السيئة في البرمجة التي اكتسبها من تلقاء نفسه. وفي أثناء الدراسة أصبح مفتونا بمجال ظهر حديثا، وكان لا يزال في طور التطوير، هو الذكاء الاصطناعي (مفتاح لتصميم أنواع الحواسيب التي كان يحلم بها حين كان طفلا). ولكي يكون في طليعة هذا الميدان الجديد قدم طلبا للالتحاق بكلية الدراسات العليا في علوم الحاسوب في جامعة هارفارد وقبل طلبه. مع الوقت شعر بالملل والفتور على الرغم من حصوله على درجة في علوم الحاسب.

