: آخر تحديث

تذوق الفنون

3
3
3

لا تبنى الحضارات بالأبراج والطرقات، بل بما يُبذر في روح الإنسان وينمو، وعلى قمة ذلك إبداع وممارسة الفنون بكافة أشكالها، كونها انعكاس تقدم المجتمع، وصانعة للوعي ومهذبة للذائقة، وبالطبع لا أجمل من تذوق تلك الإبداعات الفنية، وإدراك فرادتها وعمق تجربتها.

يمكن اختصار "تذوق الفنون"؛ بأنها عملية تفاعلية تنمي الرؤى الجمالية، وتدرك العلاقات والتأثيرات الوجدانية في الأعمال الفنية، مما يتيح فهم الرسالة الفنية، ومن نافلة القول أن "التذوق الفني" ضرورة مجتمعية لصقل الذوق، وشحذ المشاعر، وتوثيق الأعمال الفنية.

قد لا يدرك الكثيرون أن تذوق الفنون لا يشترط أن يكون الفرد فناناً أو متخصصاً، كون ذلك مرتبطا بالقدرة على الشعور بالإبداع، ومحاولة فهم رسائل الأعمال الفنية، مثلما يتأمل شابٌ لوحة فنية فيدرك قصة عشق، أو توقظ مقطوعة موسيقية ذكرياته العتيقة، أو أن يعيد النظر في قضايا اجتماعية برؤية مختلفة بعد مشاهدة فيلم سينمائي، وهنا تكمن قوة تذوق الفن؛ أنه يتجاوز حدود الثقافة واللغة والكلمة!

المجتمعات المتقدمة أدركت مبكراً أن الفنون تتجاوز مجرد نشاط ثقافي، إلى كونها صناعة متكاملة تؤثر في كل شيء، وتعزز الصورة الذهنية للأمة، فالمتاحف اليوم جزء من الهوية الوطنية لفرنسا، ومنها متحف اللوفر الذي تجاوز موقعه كمعرض فنون ومقتنيات، إلى رمز حضاري يعكس المكانة الثقافية لفرنسا، إلى إيطاليا التي لا تزال مدن مثل فلورنسا وروما تعيش على إرث فني عمره مئات السنين، حيث الشوارع والكنائس والساحات معارض مفتوحة للفن والتاريخ، وكم قضيت فيها من أيام مبهجة متذوقاً للفنون.

أما في عالمنا العربي، فلطالما كانت الفنون جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية، وإن اختلف حضورها من مرحلة إلى أخرى، فالموسيقى مثلاً شكّلت وجدان أجيال كاملة عبر أعمال طلال مداح وأم كلثوم، بينما قدّمت السينما العربية لعقود متتالية صورًا لقضاياه الاجتماعية والثقافية. كما أن الخط العربي ظل فناً قائماً بذاته، جمع بين الجمال البصري والهوية الإسلامية، وهنا في المملكة، شهدت الفنون مؤخرًا توسعاً استثنائياً، عكس حراكاً ثقافياً تقوده رؤية واضحة تؤمن بأن الثقافة والفنون جزء من جودة الحياة وبناء الإنسان، من المسرح والموسيقى والسينما إلى التصاميم والأزياء والتراث.

شاهدنا عودة دور السينما بعد عقود الغياب، وبزوغ مهرجانات فنية وثقافية كبرى، مثل موسم الرياض ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، إضافة إلى المعارض الفنية العالمية التي تستضيفها العاصمة والعلا وجدة وغيرها، كما برزت مؤسسات وهيئات ثقافية تتسابق على دعم الفنانين الشباب، والأهم من ذلك أن هذا الحراك الفني لم يعد موجهاً للنخبة وحدها، بل أصبح جزءاً من تذوق مجتمعنا السعودي للفنون.

"تذوق الفنون" يعزّز الانفتاح الثقافي، والتسامح الفكري، فأنت حينما تشاهد عملاً فنياً من ثقافة أخرى، فأنت تتعلم تطرق تفكير مختلفة، وتدرك همومه ومشاعره المتشابهة، فألطف ما في تذوق الفنون أنها تجعل الفرد حساساً تجاه الحياة، فمن يقرأ الأدب أو يصغي للموسيقى، أو يتأمل لوحة فنية، يمسي قادراً على فهم مشاعر الآخرين.

الأمم التي تهمل تذوق الفنون تخسر بعضاً من روحها، بينما الأمم التي تستثمر فيها تصنع ذاكرة وهوية ومستقبلاً أكثر إشراقاً، ولذلك ازدهار الفنون في بلادنا اليوم مؤشرٌ على تقدمٍ حضاري، يرى أن بناء الإنسان لا يكتمل بالاقتصاد والتنمية وحدهما، بل بتذوق الجمال والفن أيضاً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد