: آخر تحديث

لبنان يفاوض من دون أوراق...

4
3
2

خيرالله خيرالله

في واشنطن، حيث عقدت الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة اللبنانية – الإسرائيلية، كان على الوفد اللبناني التحرّك في غياب أي أوراق في يده. لبنان يعرف أنّه يتعاطى مع عالم لا مكان فيه سوى للمصالح الذاتيّة. ماذا يستطيع بلد مثل لبنان فعله عندما يكون هناك فريق داخلي يعمل بشكل مباشر لدى إيران ويشنّ حرباً على الدولة اللبنانية ومؤسساتها؟ هناك في لبنان من يريد تكريس الاحتلال الإسرائيلي بدل العمل على التخلّص منه مهما بلغ ثمن ذلك.

المؤسف أنه كان على لبنان التفاوض في ظروف صعبة ومعقدة في غياب جبهة داخلية موحّدة. تبيّن، بكل بساطة، أنّ الاستهداف الداخلي للوفد المفاوض الذي على رأسه المحامي سيمون كرم، نقطة ضعف للبنان. لن يستطيع لبنان أن يفعل شيئاً ما دام لا وجود لإجماع لبناني على كيفية خوض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن. الأهمّ من ذلك كلّه، لا يستطيع لبنان عمل شيء من دون اعترافه بوجود ثمن يتوجّب عليه دفعه في حال كان يريد التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي الذي تسبّب به «حزب الله» ومن خلفه «الجمهوريّة الإسلاميّة» في إيران.

من هذا المنطلق، إن أقصى ما كان ممكناً التوصل إليه كان تمديد وقف النار، وهو تمديد ليس ما يُشير إلى أنّ إسرائيل ستحترمه. بل لا مفرّ من الاعتراف به أنّه يوجد عجز لبناني، لا أكثر، في غياب القدرة على تأكيد أن لبنان دولة حرّة مستقلّة تمتلك قرار الحرب والسلم على أرضها.

مرّة أخرى، على لبنان في السنة 2026 تثبيت أن دولته هي الدولة الحقيقيّة وأنّ لبنان ليس دولة «حزب الله» الذي ليس سوى لواء في «الحرس الثوري» الإيراني ولا شيء آخر. متى يثبت ذلك، يستطيع التفاوض مع إسرائيل تفاوض الند للندّ.

من اللافت، في مرحلة ما قبل المفاوضات في واشنطن، أنّ رئيس مجلس النواب نبيه برّي، لم يلتق سيمون كرم، رئيس الوفد اللبناني الذي يفاوض إسرائيل. أكثر من ذلك، لم ينعقد في قصر بعبدا لقاء بين رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، قبل توجه سيمون كرم، إلى واشنطن. كان مطلوباً انعقاد مثل هذا اللقاء، بحضور المفاوض اللبناني، من أجل تأكيد أنّ الدولة اللبنانية تقف مع سيمون كرم، كي يتمكن من القول إنّه يمثّل الدولة اللبنانيّة بكلّ مكوناتها. يمثّل المسيحيين والسنّة والدروز والشيعة أيضاً. معنى ذلك، عملياً، أنّ لبنان ليس سوى موقف العاجز عن تأمين دعم كامل متكامل لوفده الذي فاوض الإسرائيليين في واشنطن برعاية أميركيّة.

ذهب لبنان، بكلّ شجاعة، إلى التفاوض مع إسرائيل على الرغم من أنّ الدولة العبريّة تتابع حربها على الوطن الصغير الذي لا يزال مصيره في يد «الجمهوريّة الإسلاميّة» التي يتحكّم بها «الحرس الثوري» الإيراني.

كان على الوفد اللبناني الذي يفاوض الإسرائيليين الإجابة عن سؤال واحد وحيد. هل لبنان مستعدّ لدفع ثمن هزيمته نعم أم لا؟ من أجل الإجابة عن هذا السؤال، كان لا بدّ أوّلاً، من الاعتراف بالهزيمة. لا يدلّ عن حجم هذه الهزيمة أكثر من سيطرة إسرائيل على 68 قرية ومدينة جنوبيّة تعمل على تدميرها. يضاف إلى ذلك تهجير مليون و نحو 200 الف مواطن شيعي من جنوب لبنان.

مثل هذا السؤال في لبّ ما يعاني منه لبنان الذي لا يستطيع تحمّل قنبلة موقوتة تتمثل في هذا العدد الكبير من القرى المحتلة والمدمّرة من جهة ووجود هذا العدد الكبير من النازحين من جهة أخرى.

بلغة الأرقام، لغة عدد القرى والبلدات التي يسيطر عليها الإسرائيليون، بما في ذلك بنت جبيل، التي تمتلك رمزيّة خاصة بها، ليس أمام لبنان سوى استيعاب الوضع الناجم عن خسارة حربين مع إسرائيل. المفارقة أن لا علاقة، في الأصل، للبنان بهاتين الحربين مع إسرائيل. كانت الحربان، «حرب إسناد غزّة» في 2023 و«حرب إسناد إيران» في ضوء اغتيال «المرشد الأعلى» علي خامنئي في 28 فبراير 2026، جزءاً من المشروع التوسعي الإيراني الذي لم ير في لبنان سوى مجرّد ورقة تلوّح بها طهران.

هل لبنان على استعداد لدفع ثمن حربين فرضتا عليه فرضاً وكانت نتيجتهما هزيمة ساحقة ماحقة للبلد؟ لا مجال من الهرب من هذا السؤال الذي يفرض نفسه في حال كان لبنان يتفادى مزيداً من الدمار والتهجير للناس.

كان لبنان في حاجة إلى إجماع وطني من أجل الإجابة عن هذا السؤال. معنى ذلك، بكلّ بساطة، أنه لا يمكن ذهاب سيمون كرم، إلى واشنطن من أجل السعي إلى الانتهاء من الاحتلال الإسرائيلي المتجدّد من دون إجماع وطني.

ستتابع إسرائيل اعتداءاتها على لبنان ما دام سلاح «حزب الله» موجوداً وسيظل على لبنان التفكير في كيفية التخلّص من هذا السلاح. عليه عمل ذلك وصولاً إلى يوم يطرح فيه على نفسه سؤالاً في غاية البساطة: ما ثمن الانسحاب الإسرائيلي وتأمين عودة الناس إلى قراهم وبلداتهم الجنوبيّة... أو ما بقي منها. متى عُرف الثمن ستكون حاجة إلى موقف موحّد بدل لقاء كاهل المفاوضات على رئيس الجمهوريّة والحكومة ممثلة بنواف سلام.

في النهاية، ما الذي يريده لبنان؟ هل يريد استعادة أرضه من منطلق أنّ استعادة الأرض أولويّة الأولويات بالنسبة إليه... أم يريد البقاء «ساحة» إيرانيّة، أي رهينة «الحرس الثوري»؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد