قبْل أسابيع ودَّع مجتمع السياسة والثقافة العربي الروائية الرومنسوية كوليت خوري التي، كانت كما اللبنانية ليلى بعلبكي، لها حضور لافت في المشهد الثقافي خلال حقبة أمضتها في لبنان قبْل أن يستقر بها المقام في رحاب البيت السوري العريق متمثلاً بجدها الرئيس فارس الخوري وبوالدها سهيل الخوري الذي سار بكثير من التألق على خطى والده. ولم يفارق حضور أصلهم اللبناني في ما أنجزوه سياسياً وثقافياً، مع ملاحظة أن لبنان وعاصمته بالذات جوهرة كتابات كوليت، وهي في ذلك بمثل المكانة التي حظيت بها فيروز التي صدحت في الرحاب الدمشقية، فبات السوريون ينظرون إليها كأيقونة، وهذا في زمن سبق الحرب اللبنانية منتصف السبعينات، وهو زمن كان الشاعر سعيد عقل كثير الانبهار بدمشق التراث والتاريخ، وأوجز ذلك بقصيدة مطلعُها «سائليني يا شآم سائليني حين عطَّرت السلام... وأنا لو رحْتُ أسترضي الشذا لانثنى لبنان عِطراً يا شآم».
أخذت الحفيدة كوليت في الاعتبار أن العمر يمضي سريعاً، والذاكرة لا تبقى على نضارتها، فأرَّخت وفي سياق كتابة المذكرات الدور الوطني بامتياز الذي ارتسمت به سنوات ترؤس جدها فارس الحكومة خطوات سياسية حققها قبْل الترؤس وبعده.
وهذا الإنجاز الذي تسجله لها أجيال ما بعد الخمسينات وكذلك الباحثون وطلاب العلوم السياسية أصدرتْه في جزأين والذاكرة في كامل حيويتها، لم تأخذ بضرورة إنجازه كريمات الرئيس رياض الصلح صنو فارس الخوري وكثيرين من رموز العمل السياسي. ولذا نجد رياض الصلح يرحل ولا مذكرات عن سنواته المبهرة والعاصفة... إلاّ إذا ارتأت الابنة ليلى استدراك الأمر مِن خلال نخبة مِن الموثقين العمل على إنجاز مذكرات والدها، وعلى نحو ما فعله تمام سلام بعدما لم يعد رئيساً للحكومة، إنجاز ما يتعلق بمواقف اتخذها والده، الذي إما حذا حذو كوليت خوري، أو إن الوالد الرئيس الراحل ترك في عهدته عشرات الإضبارات التي تحوي من الأوراق والمراسلات والمحاضر، انتهت منشوراً ما هو مناسب.
وحدْه الرئيس الأول للبنان المستقل الشيخ بشارة الخوري دوّن بنفسه، وبمساعدة المؤرخ يوسف إبراهيم يزبك، كونه الشاهد على المسيرة السياسية للبنان قبْل الاستقلال وبعده، مذكراته التي هي مرجع للباحثين وللأجيال السياسية جيلاً بعد جيل.
مناسبة هذا الاستهلال أن قادة ورؤساء كانت لهم بصماتهم في تاريخ المنطقة لم يعيروا اهتماماً أمر كتابة مذكراتهم. بعضهم لأنه رحل وهو في سدة الحُكم ولم يتسن له إنجاز ذلك وبعض آخر بات غير راغب في ذلك.
وهكذا باتت الأجيال العربية لا تقف على تاريخ مراحل من خلال مذكرات قادة شغلوا المنصب، الذي يتقدم فيه اتخاذ القرار على التفكير بما بعد تسليم المقاليد إلى غيره.
انطلاقاً من شغفي بالوقوف على مذكرات أهل السياسة غير المتوافرة عموماً، جهدْتُ في السعي للوقوف على المتيسر من مخزون ذكريات ومواقف وأسلوب تعامُل قادة عرب، وذلك من خلال كتابة السيرة الذاتية لهؤلاء، وبحيث أن إتاحة المجال أمامي لطرح المزيد من الأسئلة والاستفسارات تجعلني أحيط بالمتيسر مما يمكن إحاطته عن أحداث ومواقف هذا القائد أو ذاك، وبذلك يمكن الوقوف على ملامح مذكرات لو أراد أن يتضمنها كتاب أو أكثر يحقق النفع المعرْفي لمن عايشوا سنوات قيادته وللذين مِن بعدهم من أجيال.
وللتوضيح فإن السيرة الذاتية بالصيغة التي أوضحتُها شملت الرؤساء معمَّر القذّافي وصدَّام حسين وجعفر نميري، كما أن الدكتور جورج حبش الظاهرة الاستثنائية في العمل الفلسطيني كان مِن الذين أفادت كتابتي سيرته الذاتية، في تفسير كنه العمل الثوري الفلسطيني بقيادة مسيحي خريج الجامعة الأميركية في بيروت. أما بعض الآخرين، فإنني سعيتُ لكن لم يجْدِ السعي وأخص مِن هؤلاء أحمد بن بيلا في لقاءيْن معه في القاهرة ثم بغداد، وبعدما بات خارج الأسر البومديني له ثم ناشطاً بامتياز في إبداء الرأي بصيغة النصح أمام قادة عرب كانوا يعيشون مآزق سياسية.
خلال الزيارات إلى الجزائر كان المفكر السياسي الدكتور محيي الدين عميمور، كثيراً ما يحيطني بوقائع عن الحُقب التي سبقت حقبة الرئيس بن جديد الذي كان مستشاراً له، وهذا يسر لي أن يتضمن اللقاء بالرئيس إجابات عن أسئلة لكم يتمنى المرء لو أن الرئيس جعل من الإجابة عنها مدخلاً إلى كتابة مذكراته، وعلى نحو ما فعله الرئيس الخامس للدولة علي كافي الذي قدَّم لي صيف عام 1999، لدى لقائي به في السفارة في بيروت، حيث كان سفير الجزائر لدى لبنان. ومع أن كتابه المعنون «مذكرات الرئيس علي كافي. من المناضل السياسي إلى القائد العسكري» يُعتبر وثيقة تحوي الصفحات بالجداول وبالوثائق والمراسلات التي معظمها بخط اليد، فضلاً عن وثائق مطبوعة على الآلة الكاتبة التي لم تكن تطورت إلى ما هي عليه في الزمن الحالي. وكان أمراً لافتاً أن هذه المذكرات ما لبثت أن ارتأى صاحبها لتحفظات من رفاق الثورة الجزائرية الاكتفاء بكتابتها وصدور طبعة واحدة لها.
خلاصة القول إن كتابة المذكرات من جانب قادة حكموا وترأسوا، وكانت لهم مواقف في مسيرة العمل السياسي العربي، هي بمثابة تنوير خصوصاً أن أحكاماً ظالمة في حق بعض هؤلاء تحدُث في غياب كتابة المذكرات... وعلى نحو ما يفعله رؤساء غربيون حيث ظاهرة هذه المذكرات مزدهرة في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بشكل خاص.

