: آخر تحديث

الاقتصاد العالمي بين شعارين «نهضة الصين» و «لنجعل أميركا عظيمة»

4
4
4

محمد سليمان العنقري

خلال الحرب الباردة كانت قمة قادة اميركا والاتحاد السوفيتي محط أنظار العالم سنوياً لان ما ينتج عنها يحدد مصير المواجهة بينهم وعلى ماذا يتفقون وماهي ملفات الخلاف لكن كل ما كان يشغلهم هو الايديولوجيا وملفات تخص الدول التي تتحالف مع كل طرف فالسوفيت كانوا حريصين على الدول التي تنتهج الاشتراكية والشيوعية وحركات التحرر في نظامها وتعتمد عليهم في تسليحها وعلاقاتها لدرجة ان موسكو كانت تحتضن ابناء تلك الدول او ما تسمى الكتلة الشرقية ببعثات دراسية بجامعات اسستها لاجلهم تحت عنوان جامعات الصداقة مما أسهم بنشر الثقافة السوفيتية وعزز نفوذهم في تلك الدول بينما أميركا كانت تدافع عن الكتلة الغربية التي تنتهج الراسمالية والاقتصاد الحر ونهج سياسي متحرر من القيود على شعوبها.

فالنظام العالمي انذاك بدا يتشكل بقمة يالطا بين ستالين وروزفلت عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية حيث بدا عصر الحرب الباردة واستمر حتى قمة مالطا بين بوش الاب وغورباتشوف عام 1989 حيث اعلن رسمياً عن نهاية تلك الحرب وبعدها بعامين تفكك الاتحاد السوفيتي لتصبح اميركا القطب الأوحد في العالم وتعلن انتصارها وحلفاؤها في الغرب على الفكر الاشتراكي والكتلة الشرقية فتفكك حلف وارسو الذي كان نداً لحلف الناتو وبدا بعدها عصر جديد يبشر بنظام عالمي يختلف كلياً بتوجهاته واهتماماته واللاعبين الرئيسيين فيه

لكن سرعان ما طرح سؤال: ماهو هذا النظام الجديد وماهو عنوانه؟ والاجابة تكمن في تركيز العالم اجمع على الاقتصاد وتنافسيته بين كبرى الدول المؤثرة فيه وشعارها يركز على الاقتصاد اولا واخيراً فهو منبع الاستقرار لدولهم ومصدر القوة المستدام بينما تحولت السياسة وقوة التسليح لخدمة النفوذ الاقتصادي بدلاً من خدمة نشر الافكار الايديولوجية التي كانت محور صراعاتهم سابقاً

ولذلك تعد قمة بكين بين اميركا الصين 2026 التي انتهت قبل يومين مؤسسة لهذا النظام العالمي الجديد فهما قطبي الاقتصاد ولا مجال لاستمرار المواجهة بين قوة صاعدة الصين ومهيمنة التي هي اميركا فكان لابد من عقد شراكة بينهم لان حجم اقتصاد الدولتين يمثل 40 بالمائة من الاقتصاد العالمي واذا اضفنا الاتحاد الاوروبي فالنسبة تصل الى 60 بالمائة وبذلك فإن الاستقرار الدولي يحتاج لشراكة بينهم وليس صراع ومواجهات الجميع سيخسر بها لكن كحال اي مرحلة تسبق التفاهم فإن التصعيد يسبقها ليحصل كل طرف على افضل ما يمكن في الاتفاق النهائي ويستخدم مالديه من فائض قوة في هذه المرحلة لبناء تفاهم مستدام

نستخلص من ذلك أن قيادة العالم أصبحت بين قطبي الاقتصاد اميركا والصين وفق ما يملك كل طرف من عناصر قوة تكمل بعضها واستفادت اميركا بهذه القمة بزيادة مشتريات الصين من منتجاتها بما يقارب 200 مليار دولار سنويا اضافة لصفقات تعزز من نفوذ شركات اميركا باقتصاد الصين مثل شراء 200 طائرة بوينغ المنافسة لايرباص الاوروبية اضافة للرقائق المتقدمة من انفيديا وكذلك العديد من المنتجات منها منتجات زراعية مقابل وقف الرسوم الامريكية على صادرات صينية وتفاهم حول تايوان وغير ذلك منا يشغل الصين مع تفاهم حول ضرورة فتح مضيق هرمز دون قيود وباقصى سرعة وأن لا تملك ايران سلاحاً نووياً أي ان الطرفين وضعا مصلحة علاقتهم المباشرة فوق أي اعتبار آخر.

ذهب ترمب و معه اوراق تفاوضية قوية اولها الرسوم حيث يعد سوق اميركا محورياً للصين ولا يمكن تعويضه وحجم التصدير له يفوق 400 مليار دولار سنوياً وبفائض لصالحها عند 202 مليار دولار اضافة لانتزاع ورقة فنزويلا من الصين، وكذلك واقع وضع إيران التي ترتبط مع الصين بعلاقة خاصة وكذلك وضع مضيق هرمز بينما لدى الصين أوراق مهمة كالاستثمار وزيادة المشتريات من منتجات اميركا والعلاقة مع روسيا وايران وما يمكن أن تسهم به لحل النزاعات دولياً لكن المؤكد انهم وضعوا كل تلك الاوراق السياسية لخدمة التوصل لاتفاق تجاري بينهم فما يعنيهم هو الشراكة واستمرارها بحالة مستقرة بينهم، ولذلك فإن من لايقرأ المشهد بعد القمة بأنه إساس لتوجهات العالم الجديد نحو الاقتصاد الذي تقوده اميركا والصين فليتذكر قمة يالطا 1945 وما حدث بعدها، وان القمة الحالية تشابهها لانها تؤسس للنظام العالمي الجديد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد