كلما أُعلن عن مشروع جديد، ينشغل الناس بحجمه، وقيمته، وعدد الوظائف التي سيخلقها، بينما ينشغل المستثمر بسؤال مختلف تمامًا.
ليس: كم بلغت تكلفة المشروع؟
بل: ماذا سيولد هذا المشروع حوله؟
وربما هنا بدأ يتغير مفهوم التنمية الاقتصادية، ليس في المملكة وحدها، بل في العالم بأسره.
فلسنوات طويلة، اعتدنا أن نقيس نجاح الدول بعدد المشاريع التي تبنيها. وكلما كان المشروع أكبر، وأكثر شهرة، وأكثر تكلفة، اعتبرناه إنجازًا اقتصاديًا.
أما اليوم، فأشعر أننا ما زلنا نقيس الاقتصاد بعقلية الأمس، بينما العالم غيّر قواعد اللعبة.
فالمشروع، مهما بلغت ضخامته، لم يعد كافيًا وحده.
ليس لأنه فقد أهميته.. بل لأن قيمته لم تعد تُقاس بما يحققه داخل حدوده، وإنما بما يصنعه خارجها.
لعل السنوات القليلة الماضية كانت كافية لتغيّر طريقة تفكير الحكومات والشركات والمستثمرين.
جائحة عالمية عطّلت سلاسل الإمداد. توترات جيوسياسية أعادت رسم طرق التجارة. سباق غير مسبوق في الذكاء الاصطناعي. واستثمارات هائلة في الطاقة والبنية الرقمية. للوهلة الأولى، تبدو هذه أحداثًا لا علاقة بينها. لكن عندما ننظر إليها معًا، تظهر صورة مختلفة تمامًا. العالم لم يكن يبني مشاريع جديدة.. كان يعيد بناء اقتصاده.
خذ الميناء مثالًا.. قبل سنوات، كان نجاح أي ميناء يُقاس بعدد السفن التي ترسو فيه، أو بعدد الحاويات التي يعالجها سنويًا.
أما اليوم، فهذا لم يعد كافيًا.
السؤال أصبح: هل يرتبط الميناء بشبكة سكك حديد؟ هل تحيط به مناطق صناعية؟ هل توجد مراكز لوجستية؟ هل يستطيع المصنع أن يصل إليه بسهولة؟ هل تعمل الجمارك والأنظمة الرقمية بالكفاءة نفسها؟ إذا لم تجتمع هذه العناصر... فسيبقى الميناء مشروعًا ناجحًا. لكنه لن يصبح محركًا للاقتصاد.
والأمر نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي.. قد يعتقد البعض أن المنافسة تدور حول بناء أفضل نموذج. لكن ما يحدث اليوم يقول شيئًا مختلفًا.
فالشركات الكبرى لم تعد تنفق مئات المليارات على التطبيقات فقط، بل على مراكز البيانات، والرقائق، والقدرة الحاسوبية، والطاقة، وشبكات الاتصال. لأنها أدركت أن الذكاء الاصطناعي ليس منتجًا.. بل منظومة كاملة.
حتى المصنع تغيّر معناه.. في الماضي، كان نجاحه يُقاس بما ينتجه. أما اليوم، فيُقاس بما يخلقه حوله. كم شركة صغيرة ستنشأ لخدمته؟ كم موردًا سيعتمد عليه؟ كم وظيفة نوعية سيخلق؟ كم تقنية سينقل؟ وكم استثمارًا سيجذب؟ فالقيمة الاقتصادية لم تعد تتولد داخل المشروع... بل في كل ما ينشأ حوله.
ولهذا توقفت طويلًا عند استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة الجديدة.
ليس لأنها أعلنت عن مشاريع جديدة، فالمملكة اعتادت خلال السنوات الماضية الإعلان عن مشاريع كبرى.
لكن ما لفت انتباهي هو أن لغة المرحلة بدأت تتغير. أصبحت تتحدث أكثر عن تعظيم الأثر، ورفع مساهمة القطاع الخاص، وبناء القطاعات، وربط الاستثمارات، وتحقيق الاستدامة الاقتصادية.
وهذا، في رأيي، ليس تغييرًا في الأولويات... بل انتقال إلى مرحلة جديدة من فلسفة التنمية. مرحلة لا يكون فيها الهدف إطلاق مشروع جديد فقط... بل أن يصبح كل مشروع سببًا في نجاح مشروع آخر.
ولهذا، لم يعد المستثمر العالمي يبحث عن قطعة أرض، أو إعفاء ضريبي، أو تمويل ميسر فقط.
إنه يبحث عن منظومة. يريد موردين. وبنية تحتية. وطاقة مستقرة. وكفاءات بشرية. وتشريعات واضحة. وبنية رقمية.
وسوقًا نشطة. لأنه يدرك أن المشروع قد ينجح وحده... أما الاستثمار طويل الأجل، فلا ينجح إلا داخل منظومة متكاملة.
وربما لهذا السبب، لم تعد المنافسة بين الدول على من يبني أكثر.
بل على من يربط أكثر. يربط الصناعة بالطاقة. واللوجستيات بالتصنيع. والجامعات بالابتكار. والتقنية بالاقتصاد. والقطاع العام بالقطاع الخاص. لأن الاقتصادات الحديثة لا تنمو بالمشاريع المنفردة... بل بالشبكات التي تربطها ببعضها.
ولهذا، أعتقد أن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم لم يعد:
كم مشروعًا أُعلن هذا العام؟
بل:
كم مشروعًا أصبح قادرًا على أن يولد مشاريع أخرى؟
لأن المشروع قد يبني مصنعًا.. وقد يبني ميناءً.. وقد يبني مدينة.. لكن المنظومة.. هي التي تبني اقتصادًا.
وربما هذا هو التحول الحقيقي الذي يستحق أن نتوقف عنده.
فنحن لا نعيش سباقًا لبناء مشاريع أكبر، بل نعيش مرحلة تنتقل فيها الاقتصادات من التفكير في المشروع، إلى التفكير في المنظومة.

