فوز أوباما في انتخابات 2008 لم يكن مجرد انتصار تداولي في انتخابات رئاسية. كان علامة مرحلية في تاريخ السياسة الأميركية.
وزير الخارجية الجمهوري كولن باول خرج عن التوافق الحزبي ليدعم باراك أوباما من الحزب المنافس. لو اعتبرنا كولن باول ممثلاً لشريحة من النخبة السوداء التي ظلَّت موالية لحزب أبراهام لنكولن فقد استطاع الحزب الديمقراطي من خلال أوباما الوصول إليها.
ومن جهة أخرى، اشتغلت آلية تحت السطح داخل الحزب الديمقراطي. عزَّزت من نشاط القوى الراديكالية، وأعطتها الأمل والطموح في تأثير أكبر على مسار السياسة.
حين ننظر إلى هذا من موقعنا الجغرافي نتذكر سياسة إدارة الديمقراطيين أثناء اضطرابات الربيع العربي، وسياستها تجاه الملف النووي الإيراني، ونوعية القوى السياسية التي دعمتها. أما من موقع الحزب المنافس داخل أميركا، فقد رأى فيها ثغرة استغلها في الدعاية ضد الحزب الديمقراطي ووصفه بتبني مناهضي الروح الأميركية.
لا نناقش هنا الادعاءات ومدى صوابها. المحصلة السياسية لهذين العاملين كانت الفوز المفاجئ لدونالد ترمب في 2016. وهو فوز أقوى من أرقامه، لأنه تم رغم معارضة تيارات كبيرة داخل حزبه له، مما يعني أنه استقطب من الناخبين العموميين ما يكفي ليعوضه.
في 2020، بدا أن الحزب الديمقراطي نفسه أدرك أنه لن ينتصر في انتخابات عامة إلا بتعزيز الاتجاه العام السائد. وفي 2024، نسيها سريعاً، فعاد ترمب بانتصار أقوى من سابقه.
بريطانيا شهدت دراما انتخابية مماثلة في مرحلة ما بعد توني بلير وغوردن براون. لم يتعلق الأمر فقط بالملل بعد طول بقاء العمال في الحكم. بل بصعود تيار إد ميليباند على حساب تيار أخيه ديفيد. ينظر للأول على أنه نصير للتوجه الأكثر راديكالية، وإلى الثاني على أنه وريث للتيار الوسطي المسمى بالعمال الجديد. والنتيجة ابتعاد العمال عن السلطة لمدة 14 عاماً، وعودتهم إليها بعد أن هزم حزب «المحافظون» نفسه بصراع داخلي.
ليس كل انتصار داخل حزب شأناً داخلياً. وليس كل قوة جديدة صاعدة داخل حزب إيذاناً بحظوظ أفضل. الفيصل هو ما يظهر في الانتخابات العامة بعدها.
بعض الانتصارات الداخلية في الأحزاب مؤشر على هزيمة قادمة. حيث تصبح قدرة مرشح على إقناع حزبه هي بالضبط ما يمنع الحزب من إقناع البلد، ويصبح فوز هذا المرشح داخل الحزب رسالة تحذير إلى الناخب العام عن توجهات الحزب نفسه.
لذلك فإن الانتصارات الحزبية المبنية على أساس من الاستقطاب الواضح سلاح ذو حدين. بوجه عام، إن كان الاستقطاب أقلوياً من حيث العقيدة السياسية أو الإثنية فثمة احتمال كبير أن يفقدك من الناخبين أكثرَ مما أكسبك. الحزب الناجح هو الذي يستطيع بناء ائتلاف أوسع من هويته الأصلية، دون أن يفقد تلك الهوية، كما فعل فرانكلين روزفلت من خلال الصفقة الجديدة. أما الحزب الذي يشرع في تعريف نفسه من خلال أكثر تياراته تشدداً، فسوف ينتهي بانتصار لتيار يخصم من قاعدته العامة.
بل إنَّ الخطر أكبر من ذلك. اللُّحمة التي تجمع التيارات داخل حزبٍ قائمةٌ على اتفاق ضمني حول بعض الثوابت، ولديها طاقة لتقبل الاختلاف إلى حدود معينة، إن تجاوزتها فلن يقتصر الخطر على الناخب العام وفقدان شريحة منه، بل تجد تيارات داخل الحزب نفسها غريبة عليه وتبحث عن غيره.

