* * *
تضمن كلام النفيسي تجنيا واضحا على المنطق والأحداث التاريخية، فخروج الحكومة في اليوم الأول من الغزو، اُعتبر هزيمة ساحقة لصدام شخصيا، وأول أخطائه القاتلة، وكل هزيمة في هذا الجانب تعتبر نصرا في الجانب الآخر، فقد تم الخروج ليس فقط حفاظا على الحياة، بل وصونا لشرعية الحكم، واستمرارية القيادة، وأهليتها، بالتالي، للتصرف نيابة على الأمة، وإضفاء الشرعية المطلوبة على قرارات التحرير.
تاريخيا، تحولت انسحابات عسكرية كثيرة من أرض المعركة، إلى نصر، ومن اشهرها الانسحاب من «دونكيرك»، في بداية الحرب العالمية الثانية، وإنقاذ 338 ألف جندي بريطاني وفرنسي وبلجيكي، من موت محقق على يد القوات الألمانية، وشكل ذلك الانسحاب نصرا، ومكّن بريطانيا من مواصلة الحرب.
كما اعتبر انسحاب جيش واشنطن من بروكلين سنة 1776، ليلا عبر نهر «إيست»، قبل ان يتعرض للحصار، نصرا كبيرا، في مرحلة حرجة من الثورة الأمريكية، ضد الإنكليز.
وهناك انسحابات عديدة اخرى سجلها التاريخ بفخر، منها معركة خزان تشوسين، في الحرب الكورية عام 1950، والتي نفذتها قوات الأمم المتحدة. ومن التاريخ القديم انسحاب القوات البيزنطية من معركة ملاذكرد عام 1071. وانسحاب خالد بن الوليد من معركة مؤتة 629م، بعد مقتل قادته الثلاثة، وتفوق القوات البيزنطية وحلفائها عليه، حيث مكنه الانسحاب من إعادة تنظيم الجيش، وإخراجه من المعركة، بدل تعرضه للفناء. وهناك الانسحاب الروسي أمام نابليون عام 1812، وتراجعها، ونجاحها تاليا في استنزاف الجيش الفرنسي. وانسحاب الجيش السوفيتي من بعض مناطق الجبهة الشرقية، عام 1941، أمام الزحف الألماني.
ساعدت هذه الانسحابات المنظمة على كسب الوقت، واتباع سياسات جديدة، خاصة إذا تضمن إنقاذ القوة الرئيسية من الحصار أو الإبادة، والحفاظ على القيادة والروح المعنوية، وكسب الوقت لاستدعاء التعزيزات أو بناء دفاعات جديدة، والاحتفاظ بالقدرة على شن معارك لاحقة، سياسية او عسكرية.
كما أن هناك حوادث شهيرة لخروج قيادات سياسية من أوطانها، بعد تعرضها للغزو، وساعد خروجها في حفظ الشرعية واستعادة الوطن، الذي تم غزوه، وأقرب الأمثلة غزو صدام للكويت، قبل 36 عاما، ونجاح الحكومة الشرعية في اللجوء للسعودية، فحافظت بذلك على الاعتراف الدولي والتمثيل القانوني، وأعطت قوات الحلفاء الشرعية المطلوبة لاستعادة الوطن، عسكريا.
وبعد سقوط فرنسا أمام ألمانيا عام 1940، غادر الجنرال ديغول إلى بريطانيا، وأعلن استمرار القتال وقيادة «فرنسا الحرة». وعندما غزت إيطاليا اثيوبيا عام 1935، غادر الإمبراطور هايله سيلاسي إلى المنفى، وواصل المطالبة باستقلال بلاده أمام عصبة الأمم.
وبعد اجتياح ألمانيا لهولندا عام 1940، غادرت الملكة فيلهلمينا والحكومة الهولندية إلى بريطانيا. وواصلت منها إصدار البيانات، ودعمت المقاومة الهولندية والقوات التي قاتلت إلى جانب الحلفاء.
وحدث الأمر ذاته، وفي الوقت ذاته مع النرويج، عندما رفض الملك هاكون، الحكومة التي عينتها ألمانيا، وانتقل لاجئا إلى بريطانيا. وتكرر الأمر بعد غزو ألمانيا ليوغوسلافيا وتقسيمها. وأيضا مغادرة ملكها ملك اليونان وحكومته إلى مصر ثم بريطانيا عام 1941، لتواصل دعم المقاومة، وانتصارها تاليا.
لذلك كله فإن خروج الحكومة الكويتية للسعودية، في ليلة الغزو، اعتبر نصرا تكتيكيا باهرا. ولو لم يحدث لما ترددت نفس الأطراف الناقدة، في توجيه اللوم لها لعدم خروجها.
أحمد الصراف

