: آخر تحديث

«نحن نقص عليك أحسن القصص»

3
2
2

موسى بهبهاني

الآيات التي يذكر فيها المولى -تبارك وتعالى- البينات والمعجزات للأنبياء دلائل على قدرته، وما وراء الظواهر، والمضطلع عليها هو المولي عزوجل، فيبدل... ويغير... ويخير... ويشاء ما شاء فتصبح آيات، وهذه الآيات هي الدلائل على أن المدبر الحقيقي هو الله -عزوجل.

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلي الْأَلْبَابِ﴾.

القصّة تعتبر مرآة للإنسان، يستطيع من خلالها أن يشاهد الإيمان والكفر، الهناء والحرمان، السعادة والشقاء، والصدق والكذب، فهي تعرض كلّ تجارب المجتمعات السّابقة، ولكن ما أكثر العبر وأقلّ الاعتبار.

فقط أُولو الألباب وذوو البصائر باستطاعتهم أن يشاهدوا العبر في صفحة هذه المرآة ويستفيدوا منها.

وعلينا أن نفرّق بين الأساطير والقصص الخياليّة التي من تأليف الإنسان، وبين القصص القرآنيّة الواقعيّة فهي ليست قصص خيالية، فهي تحكي عن أحوال الأمم الماضية لهداية الناس وعظتهم.

قصة أصحاب الكهف

مجموعة من الفتية الصالحين، كانوا في وسط مجتمع موغل في الشرك وعبادة الأصنام، تحت حكم ملك ظالم، يجبر الناس على الكفر ويقتل المخالفين.

هؤلاء الفتية نبذوا عبادة الأوثان واعتنقوا التوحيد، وكتم كل منهم إيمانه عن الآخر في البداية، وبعد ذلك التقوا وتصارحوا، فاجتمعت كلمتهم وقرروا الهجرة بدينهم والفرار من بطش الملك.

- لجأوا إلى كهف موحش ومظلم يعزلهم تماماً عن الأرض وزينتها، وكانوا يمثلون تجسيداً حياً لمفهوم الزهد بمتاع الحياة، وطلبوا من الله أن يهديهم سبيل الرشاد.

﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾.

استجاب المولي -عزوجل- لدعائهم، فألقى عليهم المعجزة الإلهية وهي (النوم الطويل)، (ضرب على آذانهم) فحفظهم ورعاهم داخل الكهف.

﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ...﴾.

قدر المولى -عزوجل- بأن تزورهم الشمس، وتنفذ أشعتها على كهفهم بسلام، وتلطف الهواء في جميع أنحاء الكهف، وحتى لا تتهرأ أجسامهم بسبب السنين الطويلة التي مكثوا فيها نياماً في الكهف، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿...ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ...﴾. حتى لا يتركز الدم في مكان معين، ولا تكون هناك آثار سيئة على العضلات الملاصقة للأرض بسبب الضغط عليها لمدة طويلة.

﴿...وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ...﴾.

نوم أصحاب الكهف لم يكن نوماً عادياً، وهذا يدل على أن أجفانهم كانت مفتوحة بالضبط مثل الإنسان اليقظ، وقد تكون هذه الحالة الاستثنائية؛ لكي لا تقترب منهم الحيوانات المؤذية التي تخاف من الإنسان اليقظ، أو لكي يكون شكلهم مرعباً؛ كي لا يتجرأ إنسان على الاقتراب منهم، وهذا بنفسه أسلوب للحفاظ عليهم.

﴿...وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيد...﴾.

كلب أصحاب الكهف، كان ممدداً يديه، متمكناً من جلسته بفناء الكهف، أو على بابه، حارساً ومرافقاً لهم في نومتهم.

اليقظة بعد نومٍ طويل

﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾.

إنَّ نوم أصحاب الكهف كان طويلاً للغاية؛ بحيث استمر (309) سنوات، وعلى هذا الأساس كان نومهم أشبه بالموت، ويقظتهم أشبه بالبعث، لذا فإنَّ القرآن يقول:

﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ...﴾.

أي مثلما كُنّا قادرين على إنامتهم نوماً طويلاً، فإنَّنا أيضاً قادرون على إيقاظهم.

﴿...لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ...﴾.

﴿...قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ...﴾.

ويتبين أن أصحاب الكهف دخلوا الغار في بداية اليوم ثمّ ناموا، وفي نهاية اليوم استيقظوا من نومهم، ولهذا السبب اعتقدوا في بادئ الأمر أنّهم ناموا يوماً واحداً، أو ﴿بَعْضَ يَوْم﴾.

وعندما بعثوا شعروا بالجوع، وبالحاجة الشديدة إلى الطعام؛ لذا فأول اقتراح لهم هو إرسال واحد منهم مع النقود والمسكوكات الفضية لشراء الطعام.

﴿...فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ...﴾.

ثم أردفوا:

﴿...وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾.

لماذا؟

﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ...﴾.

مع أنّ أصحاب الكهف كانوا بعد يقظتهم بحاجة شديدة إلى الطعام، إلاَّ أنّهم قالوا للشخص الذي كلَّفوه بشراء الطعام - أوصوه بشراء الطعام الحلال، و- انظر أيُهم أزكى وأطهر طعاماً فأتنا منهُ - وطلبوا منه أن يكون حذراً كي لا يُلقي القبض عليه.

- الشخص المكلَّف بشراء الطعام ماذا جرى له؟

دَخل المدينة ولكنَّهُ (فغَر فاه) أي اندهش من التعجُّب!

فالشكل العام للبناء قد تغيَّر، هندام الجميع ولباسهم غريب عليه، الملابس من طراز جديد، خرائب الأمس تحولت إلى قصور!

بدايةً ظنَّ أنَّهُ لايزال نائماً، وأن ما يُشاهده ليس سوى أحلام، إِلاَّ أنه التفت إلى ما يراه، وهو عين الحقيقة، ويتساءل ما الذي حدث؟

فالمتغيرات كانت عجيبة ولا يمكن تصديقها، ولايزال يعتقد أنَّ نومهم في الغار كان ليوم أو بعض يوم، فلماذا كل هذا الاختلاف؟

وكيف تمَّت كل هذه التغييرات الكبيرة والواسعة في ظرف يوم واحد؟!

ومن جانب آخر، كان منظره هو عجيباً للناس وغير مألوف، ملابسهُ، كلامه، شكلهُ، كل شيء فيه بدا غريباً للناس، وقد يكون هذا الوضع لفت أنظارهم إِليه، لذا قام بعضهم بمُتابعته.

لقد انتهى عجبه عِندما مدَّ يدهُ إلى جيبيه لِيُسدَّد مبلغ الطعام الذي اشتراه، فالبائع وقع نظره على قطعة نقود ترجع في قدمها إلى 300 سنة ماضية، وعندما طلب منهُ توضيحاً من أين جلبها؟

قال: بأنّهُ حصل عليها حديثاً.

وقد عرف الناس تدريجياً مِن خلال سلسلة مِن القرائن أنَّ هذا الشخص هو أحد أفراد الفتية الذين قرأوا عن قصّتهم العجيبة والتاريخية التي وقعت قبل 300 سنة، وأنَّ قصّتهم كانت تدور على الألسن في اجتماعات الناس وندواتهم، وهنا أحسَّ الشخص بأنَّه وأصحابه كانوا في نومٍ عميق وطويل.

– وعلم أن المدينة الآن بيد حاكم صالح وموحد للمولى -عزوجل- إِلاَّ أنَّ استيعاب قضية إِحياء الموتى بعد الموت كان صعباً جدّاً على تصديقها لأفراد ذلك المجتمع.

لذا، فإِنَّ القرآن الكريم يبيّن أن المولى -عزوجل- أظهر أهل الكهف للناس، وأطلعهم عليهم بعد نومهم الطويل، ليكون في إيقاظهم وإظهارهم دلالة قاطعة على قدرة الله، ولِيُوقن الناس بصدق البعث بعد الموت، وأن القيامة واقعة لاشك فيها.

﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.

ثمّ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾.

نهاية القصة

الشخص الذي أُرسل لشراء الطعام، عاد بسرعة إلى الكهف، وأخبر رفقاءه بما جرى، وقد تعجب كل منهم، وبعد أن علموا بفقدان الأهل والأولاد والأصدقاء والإِخوان، ولم يبق مِن أصحابهم أحد، أصبحت الحياة بالنسبة إِليهم صعبة للغاية، فطلبوا مِن الخالق جلَّ وعلا أن يُميتهم، وينتقلوا بذلك إلى جوار رحمته، وهذا ما حدث.

لقد ماتوا ومضوا إلى رحمة ربَّهم، وبقيت أجسادهم في الكهف.

عندما وصل القوم إلى الكهف اختلفوا، واقترح فريق منهم أن تُغلق فتحة الغار، حتى يكون الكهف خافياً إلى الأبد عن أنظار الناس.

والفريق الآخر اقترح أن يتخذوه مسجداً، وبقرينة وجود المسجد فإِنَّ الناس لن ينسوهم أبداً.

﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾.

ختاما..

1/ قصة أصحاب الكهف مثال على الثبات على العقيدة، واللجوء إلى الله عند الفتن، وكيف جعل الله نومهم الطويل آيةً على قدرته في إحياء الموتى.

2/ التحذير من فتنة الدنيا والمال والبنين، فكلها زينة زائلة والآخرة هي الباقية.

3/ التأكيد على حقيقة الموت والبعث، نوم أصحاب الكهف كان صورة من «الموت الأصغر»؛ وهو دليل على قدرة الله على الإحياء بعد الموت الأكبر.

4/ أهمية العلم والتأمل، والسورة تدعو إلى التدبر في آيات الله الكونية، مثل حركة الشمس في قصة الكهف؛ لتكون دليلاً على عظمة الخالق.

5/ الابتلاء والتمحيص، وإن كل قصة في السورة تعرض نوعاً من الفتنة (الدِّين والمال والعلم والسُّلطة)؛ لتبيّن أن النجاة تكون بالثبات على الإيمان.

فهل يعتبر الإنسان بما يراه من الدروس والعِبَر، أم يبقى مكابراً وجاحداً ومعانداً؟!

ما أكثر العِبَر وأقل الاعتبار!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد