: آخر تحديث

حماية المستثمر وتعويضه في سوق المال

1
2
1

ماجد قاروب

حماية المستثمر أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها الأسواق المالية الحديثة؛ لذلك حرص نظام السوق المالية على بناء منظومة متكاملة لا تقتصر على ضبط المخالفات ومحاسبة مرتكبيها، بل تمتد إلى معالجة الآثار التي قد تلحق بالمستثمرين نتيجة التلاعب أو التضليل أو الإفصاحات غير الصحيحة.

أكدت الهيئة أحقية المتضررين في المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن المخالفات المرتكبة. وتعكس هذه الرسائل التنظيمية توجهًا متناميًا نحو تعزيز حماية المستثمر باعتبارها جزءًا أساسيًا من كفاءة السوق وعدالتها وليس مجرد أثر جانبي للإجراءات العقابية.

منح نظام السوق المالية المستثمر المتضرر الحق في رفع دعوى أمام لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية للمطالبة بالتعويض عن الخسائر التي تكبدها بسبب المخالفة غير أن هذا الحق يرتبط بمتطلبات قانونية وفنية يجب توافرها من أهمها إثبات وقوع الضرر المالي، ووجود علاقة مباشرة بين المخالفة والخسارة، وبيان مدى تأثير المعلومات أو الممارسات المخالفة على القرار الاستثماري، ولهذا السبب تُعد دعاوى التعويض في السوق المالية من أكثر الدعاوى تخصصًا من الناحية القانونية والمالية، وتزداد أهمية هذه الجوانب في القضايا المتعلقة بالتضليل المالي أو التلاعب في الأسعار، حيث يتطلب الأمر تحليل بيانات التداول والإفصاحات المالية وحركة السهم خلال الفترة المرتبطة بالمخالفة لإثبات حجم الضرر وتحديد مدى ارتباطه بالفعل المخالف.

قضية دار الأركان من أكبر قضايا التعويض في السوق المالية السعودية، حيث أُلزم المخالفون بتعويض أكثر من 17 ألف متضرر من المخالفات المرتكبة على سهم شركة دار الأركان للتطوير العقاري برد نحو 1.196 مليار ريال من المكاسب غير المشروعة من جراء هذه المخالفات، إضافة إلى الغرامات النظامية. وهو ما يعكس أن النظام السعودي لا ينظر إلى المخالفة باعتبارها مجرد إخلال تنظيمي، وإنما باعتبارها أيضًا مصدرًا لمسؤولية مدنية تجاه المستثمر الذي تكبّد خسارة بسبب تلك الأفعال.

رغم وضوح الأطر النظامية لا يزال بعض المستثمرين يترددون في اللجوء إلى المطالبة بالتعويض بسبب صعوبة الإثبات أو الحاجة إلى الخبرة الفنية المتخصصة أو طول الإجراءات في بعض الحالات، ومن هنا تبرز أهمية الدعاوى الجماعية التي تسهم في توحيد المطالبات وتقليل التكاليف وتوفير قدر أكبر من الكفاءة في إدارة النزاعات ذات الطبيعة المتشابهة.

ومع التطور المستمر الذي تشهده السوق المالية تبدو الحاجة قائمة إلى تعزيز الوعي القانوني لدى المستثمرين بحقوقهم وآليات المطالبة بها إلى جانب مواصلة تطوير إجراءات التعويض وتسريع الفصل في الدعاوى المرتبطة بها.

الثقة التي يبحث عنها المستثمر تقوم على الشعور بوجود منظومة عادلة تكفل الحماية والإنصاف عند وقوع الضرر، وهو ما يجعل حماية المستثمر وتعويضه أحد أهم مؤشرات نضج السوق المالية وكفاءة بيئتها التنظيمية والقضائية، فالمستثمر الواعي بحقوقه يمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز كفاءة السوق والحد من آثار المخالفات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد