: آخر تحديث

قوة الاستقرار

3
3
3

دفعت الحرب الإيرانية – الأميركية أمن الخليج إلى منعطف بالغ الحساسية، بعدما اتسعت دائرة التهديدات من ساحات المواجهة العسكرية إلى البنية التحتية التي تقوم عليها حياة المجتمعات واستمرارية الاقتصادات، وأظهرت تطورات مضيق هرمز والتهديدات التي طالت منشآت الطاقة ومحطات التحلية أن مفهوم الأمن الإقليمي بات أكثر اتساعًا وتعقيدًا، مع دخول الأمن المائي إلى قلب المعادلة الاستراتيجية في منطقة تعتمد بصورة كبيرة على تحلية مياه البحر، وهو تطور يضع حماية المياه والكهرباء والطاقة والموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد ضمن منظومة أمنية واحدة مترابطة، ويجعل أي اضطراب في إحدى حلقاتها قادرًا على الانتقال سريعًا إلى بقية القطاعات الحيوية.

وتكشف هذه التطورات عن تحول جوهري في طبيعة التحديات التي تواجه دول الخليج، فالأمن في صورته الجديدة يمتد إلى قدرة الدولة على المحافظة على وظائفها الأساسية أثناء الأزمات، وضمان استمرار تدفق المياه والطاقة وحركة الموانئ والاتصالات والتجارة، وتأمين المنشآت الحيوية في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية واضطرابات الممرات البحرية.

وفي قلب هذه التحولات تبرز التحالفات والشراكات الدفاعية باعتبارها إحدى أدوات بناء هذه المناعة، ويأتي الاتفاق الدفاعي بين المملكة وتركيا وباكستان مؤشرًا على اتجاه إقليمي نحو توسيع دوائر التعاون الأمني والانتقال من التنسيق العسكري التقليدي إلى مستويات أكثر تقدمًا من الردع الجماعي والتشاور والتنسيق المؤسسي، مستفيدًا من الثقل السياسي والاقتصادي للمملكة، والقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، والخبرة والقدرات الاستراتيجية الباكستانية.

وتتجاوز أهمية هذا التحالف فكرة الاصطفاف في مواجهة طرف محدد؛ إذ يمكن قراءته باعتباره تحالفًا ضد الفراغ الأمني وليس ضد دولة بعينها، في وقت أصبحت فيه مصادر المخاطر متعددة ومتداخلة، بدءًا من أمن هرمز والبحر الأحمر، مرورًا بالصواريخ والمسيّرات والتهديدات السيبرانية، وصولًا إلى حماية الطاقة والمياه والموانئ وسلاسل التجارة. ويمنح هذا التصور التحالفات الإقليمية وظيفة أكثر اتساعًا تقوم على تعزيز الاستقرار ومنع تشكل مساحات أمنية رخوة يمكن للأزمات أن تتمدد عبرها، مع المحافظة على قنوات الحوار والدبلوماسية باعتبارهما جزءًا أصيلًا من منظومة الوقاية من الصراعات.

وتبدو المنطقة أمام ملامح هندسة أمنية متعددة الدوائر تجمع بين القدرات الخليجية الذاتية، والشراكات الدفاعية الإقليمية، والعلاقات الاستراتيجية الدولية، ضمن شبكة تمنح دول المنطقة مساحة أكبر للتحرك والاستجابة للأزمات المتغيرة.

كما تتطلب المرحلة توسيع مفهوم أمن البدائل؛ فوجود ميناء بديل أو خط أنابيب أو محطة احتياطية يحتاج بدوره إلى منظومة حماية واستمرارية تشغيل، وهو ما يستدعي توزيع البنية التحتية الحيوية جغرافيًا، ورفع قدرات الإصلاح والاستعادة السريعة، وإجراء اختبارات دورية لخطط الطوارئ، وتعزيز التكامل بين دول الخليج في المخزونات الاستراتيجية والنقل والطاقة والمياه. وعلى المستوى السياسي، تصبح التحالفات المرنة والمتعددة الدوائر مكملة للقدرات الخليجية، بالتوازي مع استمرار الحوار الإقليمي والدبلوماسية الوقائية وإجراءات بناء الثقة لتقليص فرص التصعيد.

وهكذا تتشكل «مناعة الخليج» باعتبارها رؤية أمنية تتجاوز الاستجابة للخطر إلى الاستعداد له، وتجمع القوة الدفاعية والمرونة الاقتصادية واللوجستية والأمن المائي وأمن الطاقة والممرات والشراكات السياسية في إطار واحد. وقد أثبتت أزمات المنطقة أن قوة الدول في زمن الحروب الحديثة تقاس بقدرتها على حماية حدودها، وبقدرتها كذلك على إبقاء الماء والطاقة والموانئ والتجارة والمؤسسات تعمل عندما تقع الأزمة؛ ومن هنا تصبح صناعة المناعة الإقليمية إحدى أهم ضمانات أمن الخليج واستقراره في المرحلة المقبلة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد