: آخر تحديث
أضواء

نحو استعادة زمن الحياة

1
1
1

في مجتمعنا المفرط الإنتاجية، حيث يُخضع كل فعل لمقاييس الربحية، وتتحكم في الإيقاعات اليومية ديناميات الاستهلاك والسرعة المذهلة التي تُخدّر الوعي، يصبح التجوال أو السير بلا غاية فعلاً نادرًا، بل وغريبًا، في زمن لا يُؤدَّى فعل إلا وهو محمّل بجدوى قابلة للقياس.

إنَّ هذا التصور للعالم بوصفه ساحة دائمة للربح أو الخسارة، حوّل الوجود نفسه إلى فضاء عدائي وموحش؛ حيث يُعامَل الجميع كخصوم محتملين، وتُعرض الظروف باعتبارها فرصًا للنجاح والتقدّم، كما يقتضيه منطق الأداء الذي يلاحق الفرد باستمرار. ومن زاوية أخرى، يبدو الإنسان المعاصر دائمًا محاصرًا تحت ضغط توقعات صارمة: الكفاءة، الشهرة، المال.

وفي هذا السياق، كان الفيلسوف بيونغ-تشول هان حاسمًا في تشخيصه. ففي كتابه "السياسة النفسية"، يصف الإنسان المعاصر بأنه سجين واعٍ يُمارس استغلاله لذاته تحت وهم الحرية: "يُستغل كل ما ينتمي إلى ممارسات الحرية وأشكالها، مثل العاطفة واللعب والتواصل، إن استغلال الحرية يولّد أعلى درجات الإنتاج". إنها عبودية تُمارَس برضا، خضوع مقبول لا يتيح النجاة منه إلا عبر التخلي عن سباق الاستمرار: "اليوم كل فرد عامل يستغل نفسه داخل مشروعه الخاص. كل واحد هو سيد وعبد في آن واحد".

وقد سبق بيونغ-تشول هان إلى هذا التشخيص الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك في مقاله "التوتر والحرية"، حيث يشير إلى حالة من الضيق تتغلغل في الإنسان داخل الحضارة التقنية، نتيجة شعور متزايد بزوال الاستقرار. هذا الإحساس، كما يوضح، مرتبط بحقيقة أن المجتمع يعيش توترًا دائمًا ناتجًا عن سعيه إلى حفظ ذاته، وهو ما يفرض على أفراده أداءً استثنائيًا يفوق المعتاد.

حتى السعادة، كما تبيّن الباحثة البريطانية سارة أحمد في كتابها "وعد السعادة"، لم تعد شعورًا بريئًا، بل تحولت إلى أداة وظيفية: "نجعل من السعادة كأنها شكل من تراكم رأس المال، يتيح لنا أن نكون أو نفعل هذا أو ذاك، بل وأن نحقق أهدافًا بعينها". وهكذا، تصبح السعادة قوة تُضفي طابعًا معياريًا على القيم الاجتماعية، وتخلق وهمًا بأن الاقتراب من هذه المعايير هو الطريق إلى السعادة ذاتها.

وحين أحاول فهم روح هذا العصر، تعود إلى ذهني دائمًا تلك الملاحظة العميقة التي سجلتها الشاعرة الأرجنتينية أليخاندرا بيزارنيك في كتابها "اليوميات"، حين كانت في الثامنة عشرة وتصف دخولها إلى المكتبة للمرة الأولى. تقول: "دخلت مكتبة مجهولة، شعرت بفضول شديد، لكن الموظف سألني عمّا أبحث. لم أعرف ماذا أقول. وحين تذكرت عنوانًا، لم أجده. كنت أريد الاستمرار في التصفح، لكنني شعرت بثقل النظرة التجارية، المستهجنة لكل من لا يعرف هدفه. كان هو دائمًا الأمر ذاته، يجب أن نتظاهر دائمًا بامتلاك غاية، يجب أن يكون الطريق مرسومًا سلفًا!".

تلك المكتبة ليست سوى صورة مصغّرة لعالمنا. عالم فقد، لأنه نسي، القيم التي تتجاوز المنفعة والربح. بيزارنيك هنا تمثل صوت مقاومة ينبغي الإصغاء إليه، لأن ما واجهته في تلك المكتبة لم يكن إلا "نظرة التاجر"، ذلك المنظور الضيق الذي يحوّل كل شيء إلى سلعة قابلة للاستثمار والاستهلاك. وهكذا تغلغلت عقلية السوق في تفاصيل الوجود الإنساني، حتى أصبحنا نتحدث عن حياتنا الداخلية بلغة اقتصادية: "تسليع العواطف"، "إدارة المشاعر"، "تعظيم الإمكانات".

ولا يتعلق الأمر برفض ساذج لمنطق السوق أو بالدعوة إلى تمرد مطلق عليه؛ فوجود تلك المكتبة ذاته هو نتيجة شروط اقتصادية محددة. المسألة أعمق من ذلك: إنها دعوة إلى استعادة زمن مختلف عن زمن الاقتصاد، إلى إعادة الاعتبار لإيقاع آخر للحياة. وكما كتب إريك فروم في كتابه "الخوف من الحرية"، قبل عقود من هان وسلوتردايك، فإن الإنسان الحديث قد "تحول إلى عبد للآلة التي صنعها بنفسه". ويضيف: "الأنشطة الاقتصادية ضرورية، لكن كل فعل خارجي لا يكتسب معناه وكرامته إلا بقدر ما يخدم غايات الحياة".

في خضم هذا الواقع، يصبح السير بلا هدف فعلاً ثوريًا بامتياز، وإعلانًا عن الحرية، واستعادةً لمساحة من الاستقلال الداخلي. كما أوصى جان جاك روسو في "تأملات السائر المنعزل"، بالانفصال عن ضجيج الخارج والإنصات إلى العالم الداخلي: أن يتيه الإنسان في ذاته، لا هروبًا بل إدراكًا.

إنَّ أهم ما في الحياة يحدث عادة ببطء. فالكرم، والصداقة، والحب، والمشي، والقراءة، كلها خبرات تحتاج زمنًا لتنضج، زمنًا لا يخضع لمنطق السرعة والاستهلاك. غير أن الإيقاع السائد اليوم لا يمنح هذا البطء حقه؛ إذ أصبحت الساعة والمخططات من أصنام العصر، نلاحقها حتى في الطعام، وفي اللقاءات، وحتى في العلاقات الإنسانية. لم يعد الزمن يُعاش، بل يُقاس.

لقد تراجع زمن التدرّج والعبور أمام حضور متواصل لا ينقطع، زمن لا يتيح سوى "الآن" بوصفه أمرًا قسريًا لا يقبل التأجيل.

إنَّ الزمن الذي سماه الإغريق "أيون" (الأبدية) يتجلى في "الكايروس"، أي اللحظة الملائمة. وفي هذه اللحظة، كما أشار أفلوطين، تتحول الحياة إلى فضاء مقدّس، حيث لا سلطة للمنفعة ولا للاستعجال. يتكيف الدماغ مع الإيقاع الذي نفرضه عليه، لكن الخلل يبدأ حين يغدو الإنسان محكومًا بتسارع دائم وضغط إنتاج لا يتوقف. لذلك، فإن التوقف، وإعادة فتح المجال لإيقاعات أبطأ، ليس ترفًا، بل هو فعل مقاومة ومحاولة لاستعادة الزمن الحقيقي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات