كانت ضحكة محمد العلي تأتي من مكان لا تصله صرامة المفكر ولا هيبة الاسم. ضحكة عميقة ودافئة، تكشف في لحظة عن طفل ظل حيًا في داخله، بالرغم مما حمله من أسئلة، وما قطعه من مسافات في الشعر والفكر والحياة. ولعل هذه الصورة هي أكثر ما بقي منه في ذاكرتي: رجل كبير في قامته، بسيط في حضوره، لم تسمح له المعرفة أن يفقد دهشته، ولم تنتزع منه المكانة عفوية القلب.
عرفت محمد العلي من كلماته قبل أن أعرف صوته. كنت أقرأه في صحيفة اليوم وفي الملحق الثقافي لصحيفة الجزيرة، وأتساءل عن ذلك النص الذي لا يستقر في شكل واحد: أهو شعر، أم أغنية، أم تأمل فلسفي؟ كان قادرًا على أن يبدأ من أبسط الأشياء: مطر على نافذة، أو رائحة عطر توقظ ذكرى بعيدة، ثم يأخذك منها إلى أسئلة تتسع للإنسان والحياة والوجود. لم تكن الأشياء الصغيرة صغيرة في عينيه، كان يرى فيها ما يستحق التأمل والسؤال، ويمنحها في الكتابة حياة أخرى، أوسع مما تبدو عليه.
كان محمد العلي رجل السؤال بامتياز. عاش ينثر أسئلته في اللغة، ويبحث بها في الوجود والحب والفقد والزمن. لم تكن تغريه الإجابات الجاهزة، بقدر ما كانت تستوقفه المساحات التي يفتحها السؤال. كان يكتب ليوقظ في قارئه قلقًا جديدًا، ويعيده إلى أشياء ظن طويلًا أنه يعرفها. كلما اقترب من إجابة، فتحت له الحياة بابًا لسؤال آخر.
لهذا كنت أتهيّب الحديث معه. سبقتني إليه قامته وحضوره المتفرد في الثقافة السعودية. في بداياتي بالصحافة الثقافية في عكاظ، اتصلت به للمشاركة في استطلاع عن الأندية الأدبية، فوجدت في الطرف الآخر إنسانًا لم تكشفه لي القراءة كاملة.
لم يفاجئني وعيه ولا جرأته، فقد عرفتهما في كتاباته. فاجأني دفؤه. كان ساخرًا ومشاكسًا، يقول رأيًا حادًا، ويطلق ضحكة تأتي من الأعماق. اجتمعت فيه حدة المفكر ورهافة الشاعر وبساطة الإنسان. وكانت ضحكته تختصر المسافة بين هيبة الاسم ودفء الإنسان.
تلك البساطة لم تكن تفصيلًا عابرًا في شخصيته. لم تغيّره المكانة، ولم تثقله صورة "المثقف الكبير". ظل وفيًا لشعره وحريته وطريقته الخاصة في رؤية العالم. كان يعرف كثيرًا، وربما لهذا كان يسأل أكثر.
وفي جريدة اليوم، جمعتنا الصحافة من جديد. كتبت آنذاك مقالًا إنسانيًا عن طفولة الشاعر وبساطة الفيلسوف في الحياة، فاتصل بي بصوت حميم ومنشرح. شعرت أن الكلمات وصلت إليه في مكان شخصي وعميق، وأن المقال أعاد بيننا ألفة كانت قد غابت.
رأيت بساطته مرة أخرى حين نُقل عموده الأسبوعي إلى الصفحة الأخيرة في اليوم تقديرًا لمكانته وعطائه. استقبل الخبر بفرح صادق وامتنان كبير. أدهشني أن رجلًا يحمل كل ذلك التاريخ والحضور ظل قادرًا على الابتهاج بلفتة محبة، كأن اسمه كبر وبقي قلبه كما هو.
ومع رحيل زوجته، بدا أن شيئًا عميقًا قد تغيّر فيه. كتب في غيابها نصًا موجعًا، شعرت وأنا أقرؤه أنه لا يرثي امرأة أحبها، وإنما يرثي عالمًا كاملًا يغيب مع رحيلها: الرفقة والذاكرة والزمن، وتلك الطمأنينة التي لا نعرف قيمتها إلا حين نفقدها. كان في كلماته من الوحشة ما جعلني أشعر أنه، وهو يرثيها، كان يكتب شيئًا من مرثيته هو.
أعاد الفقد محمد العلي إلى السؤال الذي لازمه طويلًا: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد جزءًا من حياته وذاكرته؟ لم تكن أسئلته ترفًا فكريًا، فقد حملها إلى الشعر والحب والحياة. كان السؤال طريقته في الاقتراب من الإنسان، وربما من نفسه أيضًا.
حين بلغني خبر رحيله، لم أعرف أي محمد العلي أرثي: الشاعر، أم المفكر، أم الناقد، أم ذلك الصوت المختلف الذي ترك أثره العميق في ثقافتنا؟ كل صفة تقول شيئًا عنه، ولا تقول محمد العلي كله.
في تلك اللحظة، لم تأتني قصيدة أو مقالة أو فكرة، أتتني ضحكته. ضحكة الرجل الذي أمضى عمره مسكونًا بالأسئلة الكبرى، وظل قادرًا على الفرح والامتنان والضحك من قلبه. رجل عاش وفيًا لقلق السؤال وطفولة القلب، وبقي الإنسان فيه أوسع من كل الأسماء التي أحاطت به.
رحل محمد العلي، وبقيت ضحكته في الذاكرة، وأفكاره تلد أسئلة جديدة. كأن حياته، التي أمضاها بحثًا عن الإنسان، لم تنته برحيله، وإنما تركت لنا القنديل مضيئًا والسؤال مفتوحًا على سماء جديدة وحياة جديدة.


