لم يَعد الحزن الذي كان ينهش أرواحنا يومًا، في أكثر اللحظات قسوة وعتمة، ذلك الكائن الجاثم على صدورنا كما كان في السابق. ففي تلك الأزمنة الثقيلة، حين كانت الحياة تبدو كأنها سلسلة متواصلة من الخسارات والانكسارات، كنّا نحاول عبثًا أن نتمسّك بما تبقّى من ذاكرتنا القديمة، وأن نحفظ صور الأمكنة والوجوه والأيام التي صنعت ملامحنا الأولى قبل أن تعصف بنا الريح إلى جهات أخرى. كان الحزن يومها يتسلّل إلى تفاصيلنا الصغيرة بلا رحمة، يرافقنا في الصباحات الباردة، وفي ليالي الوحدة الطويلة، حتى بدا وكأنه قدر أبدي لا يمكن النجاة منه أو التخفيف من وطأته.
كنا نعيش الحزن كما لو أنّه جزء من أجسادنا، لا حالة عابرة يمكن تجاوزها. كان يسكن في نبرة أصواتنا، وفي نظراتنا الشاردة، وفي ذلك الصمت الطويل الذي يسبق الكلام ويليه. ولم يكن الأمر مجرّد شعور نفسي عابر، بل حالة وجودية كاملة تجعل الإنسان يشعر بأنّ شيئًا ما انكسر في داخله إلى الأبد. ومع ذلك، لم نكن قادرين على التخلّص منه، لأنّه لم يكن خارجنا، بل كان يعيش في أعماقنا، ويتغلغل في أرواحنا أكثر مما يظهر على وجوهنا.
غير أنّ الزمن، بطريقته الغامضة والهادئة، يغيّر الأشياء من دون أن ننتبه. فمع مرور السنوات، لم يعد ذلك الحزن يعنينا بالصورة ذاتها، ولم يعد قادرًا على إشعال تلك العواصف الداخلية التي كانت تهزّنا من الأعماق. لقد بهتت حدّته شيئًا فشيئًا، حتى صار أقرب إلى ظل بعيد يرافقنا بصمت، أو إلى ندبة قديمة اعتاد الجسد وجودها فلم يعد يلتفت إليها كلّ الوقت. وربما لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يبقى غارقًا في الألم إلى الأبد، فإنّ الروح تتعلّم مع الوقت كيف تُخفي جراحها، وكيف تتعايش مع خساراتها دون أن تنهار كلّ يوم.
لكن هذا لا يعني أنّ الحزن اختفى تمامًا، بل تغيّر شكله فقط. صار أكثر هدوءًا وأشدّ عمقًا، كالمياه الساكنة التي تخفي في قاعها عالمًا كاملًا من الأسرار. نحن المغتربين الذين غادروا أوطانهم ذات يوم، نحمل هذا الحزن معنا أينما ذهبنا، حتى وإن حاولنا أن نبدو متصالحين مع الحياة الجديدة. فقد تركنا بلادنا خلفنا، وسافرنا إلى مدن أوروبية بعيدة، أو إلى أمكنة أخرى لا تشبه البيوت التي خرجنا منها، ولا تشبه دفء العلاقات التي تربّينا عليها. كانت أقدامنا تصل إلى تلك المدن، لكن أرواحنا بقيت معلّقة هناك، في الأزقة القديمة، وفي الشوارع التي حفظت خطواتنا الأولى، وفي البيوت التي أُغلقت أبوابها خلفنا وبقيت مفتوحة في الذاكرة.
لقد كانت الغربة أكثر من انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، كانت اقتلاعًا هادئًا من جذور عميقة يصعب تعويضها مهما طال الزمن. فالمغترب لا يفقد وطنًا فقط، بل يفقد جزءًا من صورته القديمة، ومن حياته التي كان يعرفها ويشعر بالأمان داخلها. ولهذا يبدو الحنين أحيانًا أشبه بمحاولة مستمرة لترميم ما تهدّم في الداخل، أو للبحث عن ذلك الجزء الضائع من الروح.
ولعلّ أكثر ما يوقظ هذا الحزن النائم هو التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة للآخرين. فقد تكفي صورة قديمة، أو رائحة طعام، أو صوت يشبه صوت الأم، لكي تنهار المسافات التي بنيناها بيننا وبين الماضي. وربما تكفي أغنية واحدة كي تعود الذاكرة كاملة بكل ما فيها من وجوه وأصوات وأماكن. وكم مرّة أعادت إلينا أغنيات مثل "يا طيور الطايرة" ذلك الشعور الموجع بالحنين، بأصوات سعدون جابر، حسام الرسام، قحطان العطار، كوكب حمزة، لؤي نانا، سيمور جلال وغيرهم من الفنانين الذين استطاعوا أن يلامسوا وجع المغتربين بلغة بسيطة وصادقة.
تلك الأغنيات لا تستعيد الذكريات فقط، بل تعيد إلينا ما كنّا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. فجأة تعود وجوه الأهل، وضحكات الأصدقاء، وأصوات الأمسيات القديمة، ورائحة البيوت التي كانت تمنح الحياة معناها الحقيقي. تصبح الغربة أكثر وضوحًا وأكثر قسوة، لأنّها تذكّرنا بما لم يعد ممكنًا استعادته، وبأنّ بعض الأشياء حين تضيع لا يعيدها الزمن مهما حاولنا.
ومع ذلك، يبقى للحزن شكل مختلف عند كلّ إنسان، ومسار خاص لا يشبه سواه. فلكلّ روح طريقتها في احتمال الألم، ولكلّ قلب ذاكرته التي يخفيها عن الآخرين. وربما لهذا السبب لا يستطيع الإنسان أن يتحرّر من الحزن بصورة كاملة، لأنّه ليس نقيض الحياة كما نظن، بل جزء منها، ووجه آخر للحبّ والحنين والذاكرة والخسارة.
إنّ الحزن، مهما حاولنا الهروب منه، يبقى ساكنًا في القلب، يتبدّل شكله مع الزمن لكنه لا يغادر تمامًا. وربما كانت إنسانيتنا الحقيقية تكمن في قدرتنا على مواصلة الحياة بالرغم من كلّ ذلك، وفي أن نحمل هذا الوجع بصمت، ونحوّله مع الأيام إلى ذاكرة أكثر هدوءًا، وأقلّ صخبًا، لكنها لا تكفّ أبدًا عن التذكير بأننا عشنا، وأحببنا، وخسرنا، وما زلنا نحاول أن نواصل الطريق.


