: آخر تحديث

أطراف اتفاقية مكة في طهران: رسائل إقليمية ودولية

5
5
3

تزامنًا مع ترقّب نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، والانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، يبرز اجتماع الدول المنضوية فيما يُعرف بمثلث اتفاقية مكة، الذي يضم المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، والمقرر عقده في طهران، بوصفه تحركًا إقليميًا يستحق التوقف عند دلالاته وتوقيته.

وتكمن أهمية الاجتماع في مستوى التمثيل المتوقع، بمشاركة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، إلى جانب مسؤولين إيرانيين، في مقدمتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، وفق المعلومات المتداولة بشأن اللقاء.

إدارة الخلافات

يحمل هذا الاجتماع رسائل سياسية محتملة إلى كل من تل أبيب وواشنطن، في مقدمتها أن دول المنطقة تمتلك القدرة على إدارة خلافاتها وأزماتها عبر التفاهمات المباشرة، بعيدًا عن منطق التصعيد أو الارتهان الكامل لحسابات القوى الدولية. كما قد يعكس رفضًا إقليميًا لأي تحركات أحادية من شأنها توسيع دائرة المواجهة وتهديد أمن الدول واستقرارها.

ومن هذه الزاوية، فإن انخراط إيران في مسار يجمعها بدول إقليمية تختلف معها في ملفات عديدة، يكتسب دلالة تتجاوز الخلافات المذهبية والسياسية. فالمسألة لا تتعلق بتكريس تفوق محور على آخر، بقدر ما تتصل بإمكانية بناء تفاهمات تضمن المصالح المتبادلة، وتحدّ من مخاطر الانزلاق إلى مواجهات جديدة، في منطقة ما تزال تعيش على وقع أزمات متشابكة وتوترات قابلة للتجدد.

وتزداد أهمية هذه التحركات في ظل التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بالمضائق والممرات المائية الحيوية لحركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة. فاضطراب الملاحة لا يقتصر تأثيره على اقتصادات الدول، بل يمتد إلى حياة المواطنين وأسعار السلع وتكاليف النقل والطاقة. ومن ثم، فإن استعادة الاستقرار وتأمين الممرات البحرية يمثلان مصلحة مشتركة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.

دول الخليج ترفض التصعيد

تبدو دول الخليج أكثر ميلًا إلى احتواء التصعيد، بعدما أظهرت تطورات الحرب أن نتائجها لم تتطابق بالضرورة مع التوقعات التي راهنت عليها بعض الأطراف الخليجية عند اندلاعها في شباط (فبراير) الماضي. فإغلاق المضائق المائية واستهداف المنشآت الحيوية في السعودية ودول خليجية أخرى يرفعان كلفة المواجهة على اقتصادات المنطقة وأمنها. ومن هذا المنطلق، قد تسعى هذه الدول، بالتنسيق مع شركائها الإقليميين، إلى دفع واشنطن نحو تسوية تحول دون استئناف الحرب، وتتيح التوصل إلى تفاهمات تعيد الأمن والاستقرار إلى المنطقة. ولن تقتصر تداعيات أي تسوية من هذا النوع على الشرق الأوسط، بل ستمتد إلى اقتصادات جنوب شرق آسيا وأوروبا، المتأثرة باضطرابات إمدادات الطاقة وارتفاع أسعارها.

لكن يبقى السؤال بشأن طبيعة النتائج التي يمكن أن يفضي إليها اجتماع طهران. فهل نحن أمام محاولة لتأسيس تفاهمات إقليمية جديدة تحدّ من التصعيد، أم أن الاجتماع قد يحمل مؤشرات على تحولات أعمق في موازين القوى، بما في ذلك مستقبل النظام الإيراني؟

وفي هذا السياق، تبرز المقارنة مع اجتماع دول مسار أستانا، تركيا وإيران وروسيا، في الدوحة قبل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، إذ سبق ذلك الاجتماع سقوط النظام بأيام قليلة، عقب انطلاق معركة "ردع العدوان". غير أن التشابه في التوقيت أو انعقاد الاجتماعات لا يكفي وحده للاستنتاج بوجود علاقة سببية بين الحدثين، أو اعتبار اجتماع طهران مؤشرًا حتميًا على اقتراب نهاية النظام الإيراني.

كذلك، فإن الحديث عن اصطفافات إقليمية جديدة يستدعي التمييز بين التفاهمات السياسية والأمنية المؤقتة، والتحالفات القادرة على إنتاج ترتيبات مستدامة. فبعد مسار اتفاقية مكة، برزت تفاهمات أخرى جمعت تركيا وباكستان وإندونيسيا وقطر، وتداولت بعض الأوساط وصفها باتفاق "بدر". غير أن مدى تماسك هذه التفاهمات، وقدرتها على التأثير في مسارات الصراع، يظل مرهونًا بمصالح أطرافها وآليات التنسيق بينها.

في المحصلة، يبدو اجتماع طهران اختبارًا لمدى قدرة القوى الإقليمية على تحويل المصالح المشتركة إلى تفاهمات عملية تحدّ من التصعيد وتحمي أمن المنطقة. وبين احتمال احتواء الأزمات واحتمال إعادة تشكيل الاصطفافات، تبقى النتائج الفعلية، لا الرسائل السياسية وحدها، هي المعيار الأساسي للحكم على أهمية هذا الاجتماع وتداعياته.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.