: آخر تحديث
عندما تتحدث السعودية إلى ضمير العالم:

ريما بنت بندر وبلاغة الخطاب

7
7
5

لم تكن المقالة التي كتبتها صاحبة السمو الملكي الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، سفيرة المملكة العربية السعودية لدى الولايات المتحدة الأميركية، في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان (لا حدود لما سيفعله الحوثيون)، خطابًا دبلوماسيًا تقليديًا يستعرض أحداثًا عسكرية أو يكرر المواقف السياسية التي اعتاد القارئ سماعها في بيانات الإدانة والتنديد، فقد جاءت بلغة تعرف جيدًا طبيعة المجتمع الذي تخاطبه وتدرك أن مخاطبة الرأي العام الأميركي تحتاج إلى أكثر من عرض الوقائع وتعداد الاعتداءات، وأن الكلمة السياسية مهما امتلكت من الصرامة تظل بحاجة إلى صورة إنسانية تمنحها الحياة وإلى حجة عقلية تمنحها المشروعية وإلى بناء لغوي يجعل القارئ شريكًا في الشعور بخطورة القضية، وقد استطاعت السفيرة أن تنقل الخطاب من دائرة الدفاع عن أمن المملكة إلى دائرة الدفاع عن أمن الإنسان ومصالح العالم، وأن تجعل من المقالة الصحفية مساحة واسعة تتجاور فيها العاطفة الإنسانية والحجة السياسية والذاكرة التاريخية في نسيج لغوي تتقدم فيه الأفكار بصورة طبيعية نحو النتيجة التي تريد الوصول إليها.

ولعل أول ما يلفت النظر في لغة المقالة أن السفيرة لم تستهل حديثها باسم الجماعة الحوثية أو بتاريخ الصراع اليمني أو باستعراض القوة العسكرية السعودية، وإنما اختارت رجلًا مسنًا يمد يده المصابة ويستغيث بامرأة سعودية داخل مطار الملك خالد الدولي، وقد جاءت العبارة (أرجوكِ يا ابنتي، ساعديني) محملة بطاقة عاطفية كبيرة يصعب أن تؤديها عشرات الجمل السياسية مهما بلغت قوتها، لأن هذه الاستغاثة تضع القارئ أمام إنسان فقد قدرته على حماية نفسه وأصبح ينتظر النجدة من امرأة لا تربطه بها قرابة سوى تلك القرابة الإنسانية التي يصنعها الألم، ولأن النداء بلفظ (يا ابنتي) يستحضر في الوجدان معنى الأبوة والأمان والحاجة إلى الرحمة، وهي معانٍ تجعل الاعتداء يتجاوز حدود المكان الذي وقع فيه ويصل إلى منطقة عميقة في ضمير المتلقي، وقد كان اختيار هذا المشهد موفقًا من الناحية البلاغية لأن الكاتبة أدركت أن الإنسان يتفاعل مع المصاب الذي يعرف ملامح قصته أكثر مما يتفاعل مع عدد الضحايا الذي يمر أمام عينيه في نشرات الأخبار.

وتزداد اللغة جمالًا وتأثيرًا عندما تنتقل السفيرة إلى الحديث عن ابتهاج التي استخدمت غطاء رأس عثرت عليه داخل الصالة لتضميد جرح الرجل المصاب، فهذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها تحمل داخل البناء الخطابي معاني واسعة تتصل بصورة الإنسان السعودي وطبيعة المجتمع الذي تمثله هذه المرأة، إذ يصبح غطاء الرأس في سياق الحكاية أداة لإنقاذ الحياة بعد أن كان جزءًا من المظهر الشخصي، وتتحول الموظفة التي كان عملها مرتبطًا بخدمة المسافرين إلى شخصية إنسانية تتقدم الصفوف لإنقاذ الآخرين، ثم تأتي العبارة (أرسل الحوثيون صاروخًا لنشر الرعب، فردّت عليه ابتهاج بالشجاعة) لتكشف عن قدرة الكاتبة على صناعة مقابلة بلاغية تجمع بين صورتين متعارضتين في الوسيلة والغاية: صورة جماعة تستخدم السلاح لإخافة الناس وصورة امرأة تستخدم ما وقع تحت يدها لإنقاذهم، وفي هذه المقابلة لم تعد المواجهة محصورة في القوة العسكرية، وإنما اتسعت لتصبح مواجهة بين ثقافتين وقيمتين وطريقتين مختلفتين في النظر إلى حياة الإنسان.

ومن الدقة في اختيار الألفاظ أن السفيرة لم تجعل ابتهاج شخصية عابرة تنتهي وظيفتها بانتهاء الحكاية، وإنما منحتها حضورًا يتجاوز حدود الواقعة عندما قالت (واصلت أداء واجبها، وسنواصل جميعًا كذلك)، فالانتقال من الحديث عن امرأة مفردة إلى ضمير الجماعة في (سنواصل) يكشف حركة لغوية لها أثر بالغ في بناء المعنى، لأن الفعل الذي بدأ بامرأة سعودية أصبح تعبيرًا عن إرادة وطنية لا تتوقف أمام الاعتداءات، ولأن صيغة المستقبل في (سنواصل) تحمل وعدًا بالاستمرار وتمنح القارئ إحساسًا بأن الإرهاب قد يصيب الأجساد ويعطل بعض تفاصيل الحياة، لكنه يعجز عن مصادرة إرادة المجتمع، وهذه الصياغة تمنح الشخصية النسائية موقعًا يتجاوز الاستشهاد بنجاح المرأة السعودية في العمل إلى تقديمها شاهدًا على التحولات الاجتماعية التي شهدتها المملكة وعلى الثقة التي أصبحت تتمتع بها المرأة في أداء مسؤولياتها الوطنية والإنسانية.

أما عنوان المقالة (لا حدود لما سيفعله الحوثيون) فقد جاء قائمًا على صيغة لغوية تفتح مساحة واسعة من التوقع والخوف، لأن نفي الحدود لا يصف فعلًا انتهى وقوعه وإنما ينقل ذهن القارئ إلى أفعال محتملة لا يعرف مداها، ولأن الفعل المضارع المسبوق بالسين (سيفعله) يجعل المستقبل حاضرًا في الوعي ويحوّل الخطر من واقعة ماضية إلى تهديد قابل للتجدد، وهذه الصياغة تمتلك قوة إقناعية لأنها تدفع المتلقي إلى التفكير فيما يمكن أن يحدث إذا استمرت الجماعة في امتلاك وسائل الهجوم وتطوير قدراتها، وهي في الوقت نفسه صياغة تحذيرية تتعمد توسيع صورة التهديد حتى يصبح التحرك السياسي والأمني أكثر إلحاحًا في ذهن القارئ.

وقد أحسنت السفيرة توظيف المقارنة التاريخية عندما استحضرت تنظيم داعش وما أثاره استعراض صاروخ سكود واحد في شوارع الرقة من اهتمام عالمي، ثم وضعت هذه الصورة في مواجهة ما أوردته عن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استخدمها الحوثيون في اعتداءاتهم على المملكة، وهذه المقارنة لا تؤدي وظيفة التذكير بالتاريخ وحده وإنما تستند إلى حجة واضحة تقوم على قياس حجم التهديد بمستوى الاستجابة الدولية، فالكاتبة تستدعي خطرًا يعرفه المجتمع الأميركي وتدرك حضوره في ذاكرته الأمنية والسياسية ثم تستخدمه لتفسير خطر آخر تريد أن تمنحه الاهتمام نفسه، وتزداد قوة هذه الحجة باستخدام الفعل (تأملوا) الذي ينقل القارئ من موقع المتلقي البعيد إلى موقع المشارك في النظر والموازنة، وكأن السفيرة تطلب منه أن يعيد حساباته بنفسه وأن يراجع المسافة بين ما يعرفه عن الإرهاب وما ينبغي أن يعرفه عن الحوثيين، وهذا نوع من الحجاج الذي يحاول إقناع المتلقي بالمقارنة والاستنتاج بدلاً من الاكتفاء بإعلان الموقف.

وتستحق مفردات المقالة وقفة نقدية لأن الكاتبة اختارت معجمًا سياسيًا يتسم بالحزم ويبتعد عن العبارات الدبلوماسية المواربة، فقد حضرت ألفاظ الإرهاب والعقوبات والتمويل والتسليح والمحاسبة والاعتراض والتفكيك في مواقع متقدمة من النص، وجاء تكرار (يجب) و(ينبغي) ليمنح الخطاب نبرة إلزامية تتناسب مع طبيعة الرسالة الموجهة إلى صنّاع القرار والرأي العام الدولي، فاللغة في هذا السياق لا تطلب التعاطف مع المملكة وحدها وإنما تطالب بتحويل ذلك التعاطف إلى إجراءات يمكن اتخاذها، كما أن الإشارة إلى الولايات المتحدة وتصنيفها للحوثيين ومقتل مواطن أميركي في الاعتداء الموصوف جاءت في سياق مخاطبة المتلقي الأميركي بما يتصل مباشرة بأمن بلاده ومسؤولية مؤسساتها، وهي طريقة دبلوماسية تدرك أن قوة الحجة لا تنشأ من عدالة القضية في نظر صاحبها وحده وإنما تتعزز عندما يستطيع الخطاب أن يكشف للآخرين صلتها بمصالحهم وقيمهم ومخاوفهم.

وتتضح القدرة على تنظيم الحجة في انتقال السفيرة من مطار الرياض إلى مضيق باب المندب وأسواق النفط والتجارة العالمية، فقد بدأت اللغة من إنسان واحد يستغيث ثم اتسعت لتشمل وطنًا يتعرض للاعتداء، ثم تجاوزت حدود المكان إلى مصالح دولية تتأثر بتهديد الملاحة والطاقة، وهذا التدرج يكشف عن بناء خطابي واعٍ يجعل القارئ ينتقل من التأثر بقصة فردية إلى إدراك الأبعاد الأوسع للقضية دون أن يشعر بانقطاع بين المشهد الإنساني والحديث الاقتصادي والأمني، فالاعتداء الذي بدأ في صورة صاروخ يصيب صالة للمسافرين أصبح في مسار الحجة تهديدًا للممرات البحرية واستقرار الأسواق وأمن الدول، وقد منحت هذه الحركة اللغة قدرة على الوصول إلى شرائح مختلفة من المتلقين ممن تحركهم الاعتبارات الإنسانية أو الحسابات السياسية أو المصالح الاقتصادية.

ومن الجوانب التي تكشف نضج الخطاب حرص السفيرة على الفصل بين الشعب اليمني والجماعة الحوثية، فقد حضرت معاناة اليمنيين وحقهم في السلام ومستقبل بلادهم في مقابل الحديث عن ممارسات الجماعة المسلحة، وهذا الاختيار اللغوي مهم لأن الخلط بين الشعب والجماعة قد يضعف الموقف الأخلاقي للخطاب ويجعل الحرب تبدو صراعًا مع اليمنيين أنفسهم، بينما جاءت الصياغة لتقديم الإرهاب بوصفه اعتداءً على السعودية وعلى اليمن أيضًا، ولتصوير التسوية السياسية التي يقودها اليمنيون باعتبارها الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها الجهود الدولية، وهو ما يمنح الموقف السعودي في المقالة بعدًا سياسيًا يتجاوز الرد على الاعتداء إلى البحث عن مستقبل يستطيع فيه اليمنيون العيش بعيدًا عن سطوة السلاح.

ويظهر إحكام البناء البلاغي في خاتمة المقالة عندما تعود السفيرة إلى ابتهاج بعد أن قطعت بالقارئ مسافة طويلة بين الصواريخ والتنظيمات والعقوبات والتحالفات والملاحة الدولية، فهذه العودة ليست استعادة عاطفية لحكاية الافتتاح وإنما هي إعادة ربط كل الحجج السياسية والاقتصادية والأمنية بالغاية الإنسانية التي انطلق منها الخطاب، وكأن الكاتبة تريد أن تترك في ذاكرة القارئ وجه المرأة التي أنقذت المصابين بدلاً من أن تتركه أمام صورة الصاروخ الذي أصابهم، وأن تجعله يدرك أن معنى الأمن يتجسد في قدرة الناس على ممارسة أعمالهم وحماية أسرهم والعودة إلى بيوتهم دون خوف، وقد منحت هذه الخاتمة المقالة وحدة فنية تجعل بدايتها ونهايتها تتعانقان في المعنى، بالرغم من اتساع الموضوعات التي تناولتها.

وأجد أن القيمة البلاغية الأبرز في مقالة الأميرة ريما بنت بندر تتمثل في إدراكها أن الخطاب الدبلوماسي المؤثر لا يُقاس بمقدار ما يتضمنه من عبارات قوية أو أوصاف حادة، وإنما بقدرته على اختيار المدخل المناسب إلى عقل المتلقي ووجدانه، فقد خاطبت العاطفة بمشهد الاستغاثة وخاطبت العقل بالمقارنات والأرقام وخاطبت الذاكرة باستحضار داعش وخاطبت المصالح الدولية بالحديث عن التجارة والطاقة وخاطبت الإرادة السياسية بلغة المطالبة والمحاسبة، ثم جمعت هذه المسارات في خطاب واحد جعل من المرأة السعودية وجهًا إنسانيًا للمملكة ومن المقالة الصحفية مرافعة سياسية موجهة إلى العالم، وهذه هي البلاغة التي تتجاوز جمال العبارة إلى حسن تدبير المقام ومعرفة المخاطب وصناعة الأثر، وهي القدرة التي تجعل الدبلوماسية السعودية تتحدث بلغة يفهمها العالم دون أن تتخلى عن وضوح موقفها أو عن القيم التي تنطلق منها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.