لماذا يصعب على النظام الإيراني الاعتراف بفشل مشروعه الإقليمي؟ ويكاد يحارب العالم وليس جيرانه فقط؟ مباشرة أو من خلال وكلاء، أعتقد أن الإجابة عن السؤال في الأساس أننا أمام سلطة منحت تصورها السياسي صفة مقدسة، ثم طلبت من شعبها، ومن مجتمعات أخرى أن تتحمل تكلفة تحقيق ذلك المشروع المستحيل. بذلك أصبح التراجع عن مجمل السياسة تلك يمس شرعية القائمين عليها، وتتحول مراجعة النتائج إلى اعتراض على عقيدة الحكم. وهذه معضلة لا يحلها اتفاق لوقف النار، أو مفاوضات مطولة، مهما كانت ضرورتها، هي معضلة يتوجب البحث عن حلها خارج الصندوق!
كان تحرير التفكير من وصاية المؤسسة الكنسية أحد أسس تقدم الغرب. لم تصنع المواجهة مع الكنيسة وحدها نهضته، فقد أسهمت التجارة والتعليم والتحولات السياسية، وشارك مؤمنون في تطوير المعرفة. لكن انتزاع الحق في نقد تفسير رجال الدين فتح للعالم مجالاً واسعاً للتغيير. صار بالإمكان اختبار الفكرة القادمة من رجل دين ودحضها، إذا خالفت الدليل والعقل والمصالح المرسلة، ولم يعد التسليم بأن صاحب المنصب الديني يملك الإجابة النهائية عن شؤون المجتمع والطبيعة والعلاقات الدولية.
ولم يتحقق ذلك بسهولة. أُجبر غاليليو على التراجع عن دفاعه عن حركة الأرض، وقضى بقية حياته تحت الإقامة الجبرية بعد محاكمته سنة 1633. دفع ثمن تحديه تفسيراً تبنته سلطة دينية نافذة. وقيمة هذا المثال أن المعرفة احتاجت إلى شجاعة تدافع عن حق السؤال. فقد كان الاعتراض على التفسير السائد يهدد موقع المؤسسة التي تحتكره، ويكشف أن نفوذها لا يجعل أحكامها صحيحة بالضرورة.
في إيران اليوم نواجه، مع اختلاف الأزمنة، مشكلة منح الاجتهاد البشري حصانة دينية. يقوم النظام على ولاية الفقيه، ويتجاوز طموحه حدود إدارة الدولة إلى التأثير في مجتمعات الجوار تحت عناوين مختلفة. وتصبح الخيارات المتعلقة بالسلم والحرب محاطة بخطاب عقائدي يصعب على المؤمن بها أن يقبل إخضاعها للمحاسبة. فمن يسأل عن جدوى المشروع يُدفع إلى الدفاع عن ولائه وحياته!
أرى أن هذا المشروع مستحيل أن ينتج استقراراً مقبولاً لدى مجتمعات متنوعة إذا اشترط إخضاع قرارها لمرجعية خارج أوطانها. وهذا ما يحدث في اليمن ولبنان، قد يفرض نفوذاً بالسلاح، وقد يجد أنصاراً محليين، لكنه لا يستطيع تحويل ذلك إلى رضى وطني. الإنسان في لبنان أو اليمن يريد دولة تحمي حقوقه، ويملك حق الاعتراض عليها.
في لبنان يظهر المأزق بوضوح. ربط «حزب الله» سلاحه وموقعه بالمشروع الإيراني، وأصبح النقاش في قرار الحرب مرتبطاً بحسابات تتجاوز المصلحة اللبنانية. يدفع المجتمع تكلفة هذا الارتباط في أمنه، فيما يظل السؤال عن المسؤولية مثار اتهام. الاعتداء الإسرائيلي مدان، لكن إدانته لا تعفي تنظيماً لبنانياً من المحاسبة. من يقرر تعريض وطنه للحرب عليه أن يجيب أمام مواطنيه عن قراره الضار.
أما اليمن فيشكّل نسخة أخرى لـ«حزب الله». طبعاً للحركة حساباتها المحلية، لكنها وجدت في الدعم الإيراني وسيلة لتوسيع قدرتها العسكرية ونفوذها. والمشكلة أن اليمنيين يُطلب منهم تحمل نتائج خيارات إقليمية تتقدم على حاجتهم في إعادة بناء دولتهم. كيف يصبح تهديد الجيران أو تعطيل التجارة العالمية طريقاً إلى تحسين حياة أسرة يمنية؟ هذا سؤال عملي لا تجيب عنه الشعارات.
المشترك بين الحالتين هو تقديم مشروع الجماعة على حق المجتمع في تقرير مصيره. لا يعني ذلك تحميل الشعب الإيراني مسؤولية خيارات قيادته. كما لا يعني اختزال اللبنانيين الشيعة في حزب، أو اليمنيين في جماعة مسلحة. داخل هذه المجتمعات مصالح وآراء مختلفة، إلا أن الحزب والحركة يصادران تنوعها، ثم يقدمان سرديتهما إلى الخارج باعتبارهما صوتها الوحيد.
لماذا يستمر المشروع رغم تكلفته؟ لأن الاعتراف بفشله يفتح ملفات تتجاوز اللحظة الراهنة. سيُسأل أصحابه عن الأموال التي أُنفقت، وعن الفرص التي ضاعت، وعن مبررات تقديم المواجهة على التنمية. وحولهم مستفيدون يخشون أن تُفقدهم المراجعة مواقعهم. لذلك تتداخل العقيدة مع المصلحة، ويجري تفسير كل خسارة بطريقة تعفي القيادة من المسؤولية. يكفي استمرار التنظيم، كي يسمى ذلك نجاحاً، حتى لو تراجعت قدرة المجتمع على الحياة.
هنا تقع مسؤولية المثقف. المطلوب تفكيك الادعاء بأن السياسة تكتسب صحتها من الغطاء الديني، بقياس النتائج بما تحقق للناس. لا حاجة إلى استنساخ تاريخ أوروبا، ولا إلى الخصومة مع إيمان الأفراد. نحتاج إلى الشجاعة التي جعلت مراجعة الأفكار حقاً، وإلى حماية من يمارس هذا الحق. فالمجتمع الذي يخاف السؤال يعجز عن تصحيح أخطائه، ويترك لأصحاب السلطة تحديد ما يجوز له أن يعرفه عن مصيره.
قد تنجح المفاوضات في إبعاد حرب جديدة، وقد تقع الحرب المدمرة وتتسع، لكن السلام المستقر يحتاج إلى مراجعة المشروع الذي يستدعي التدخل في أوطان الآخرين. على طهران أن تقبل بأن طموحها لا يمنحها حق الوصاية، وأن لبنان واليمن وغيرهما أوطان لأهلها. الاعتراف بهذه الحقيقة يتيح لإيران القادمة، بالتفاوض أو الحرب، أن تعود دولة طبيعية تتبادل المصالح مع جيرانها، ويمنح شعوب المنطقة فرصة الخروج من مواجهة لم تخترها. وهذا يتطلب قبول التعدد داخل الوطن، والاحتكام إلى مؤسساته، والتوقف عن تسليح جماعة لفرض إرادتها على الآخرين.
آخر الكلام: قداسة الادعاء لا تُلغي الفشل.

