إيلاف من لندن: بين مدرسة في القاهرة القديمة، وباب عثماني تتراكم عليه آثار الزمن، ووجوه جزائرية يلفها الأزرق، وأسواق تعج بالشخصيات والتفاصيل، يفتح معرض «رؤى الشرق» (Visions of the Orient) في لندن نافذة على مرحلة فنية أوروبية جعلت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موضوعاً للرسم والفضول والمخيلة.
يقدم Darnley Fine Art المعرض بالتعاون مع Touchstones Rochdale Art Collection، ويستمر من 7 أيلول (سبتمبر) حتى 3 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، جامعاً أعمالاً لفنانين من مدارس أوروبية متعددة تناولوا المنطقة خلال مراحل مختلفة.
لكن المعرض لا يريد، بحسب البيان الصحافي، الاكتفاء بعرض لوحات استشراقية لجمالياتها وألوانها، بل يسعى إلى وضعها في سياق مزدوج: بوصفها سجلاً بصرياً لثقافات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من جهة، وانعكاساً للمجتمعات الأوروبية التي أنتجت واستهلكت تلك الصور من جهة أخرى.
شرق بين الواقع والمخيلة
ازدهر الفن الاستشراقي في القرن التاسع عشر فيما كان الاهتمام الأوروبي بالعالم غير المعروف والطبيعة والثقافات البعيدة يتصاعد بالتزامن مع الحركة الرومانسية.
وكانت النتيجة صوراً شديدة التباين.
فبعض الفنانين قدموا مشاهد متخيلة ومفرطة في تصوير «غرابة» الشرق، بما في ذلك الحريم وتدخين النرجيلة والنساء المسترخيات والمعارك والأسرى والعبيد. وفي اتجاه مختلف، حاول فنانون آخرون تسجيل تفاصيل الحياة اليومية والتقاليد والعمارة والملابس بدرجة عالية من الدقة.
ويقول منظمو «رؤى الشرق» إن الأعمال التي اختاروها تنتمي في معظمها إلى الاتجاه الثاني، في محاولة لإبراز جانب يرونه أقل حضوراً في قراءة الحركة الاستشراقية: اللوحة بوصفها محاولة لتسجيل تفاصيل ثقافات غير أوروبية، مع إعادة النظر في قدرتها على التواصل بين ثقافات مختلفة.
«معلّم المدرسة العربية».. القاهرة بتفاصيلها الصغيرة
من أبرز الأعمال المعروضة لوحة «معلّم المدرسة العربية» (The Arab Schoolmaster) للفنان النمساوي لودفيغ دويتش، المنجزة عام 1889.
تدور اللوحة داخل مدرسة، حيث يظهر معلم يقوم بتعليم طفل صغير. ويشير البيان إلى التفاصيل التي أحاط بها دويتش شخصيتيه: السجادة المصنوعة من جلد الغنم، والنعال الموضوعة عند النافذة، والسجادة فوق الخزانة، وصولاً إلى الشقوق في الجدران وتفاوت طبقات الحجر وآثار الاستخدام على الخزائن الخشبية.
ويقدم المعرض العمل نموذجاً لأسلوب دويتش الذي وُصف بـ«الواقعية التوثيقية».
كما يشير إلى استعانة الفنان بالصور الفوتوغرافية في رسم التفاصيل المعمارية، وهو ما يظهر في الشبكات الهندسية للنافذة والزخارف المعمارية المحيطة بالمشهد.
وتظهر اللوحة إلى جانب عمل رافائيل فون أمبروس في الصفحة الثانية من البيان، بما يسمح بمقارنة مباشرة بين طريقتين شديدتي العناية بالتفاصيل المعمارية والشخصيات.
عند الباب الشرقي
أما الفنان النمساوي رافائيل فون أمبروس، فيحضر من خلال لوحة «الباب الشرقي: عند باب الرئيس المسلم» (The Eastern Doorway: At the Moslem Chief’s Door) المؤرخة عام 1887.
يركز العمل على شخصية حارس أمام باب مزخرف، فيما تمتد الدقة من ملامح الوجه وثنيات الملابس إلى البلاط والأرضية والتفاصيل الدقيقة للمدخل.
ويربط البيان هذه الصورة باهتمام عدد من الفنانين والرحالة الأوروبيين بحراس أماكن إقامة النساء في الحقبة العثمانية، وهي شخصيات أصبحت موضوعاً متكرراً في بعض أعمال الفن الاستشراقي.
ويعتبر منظمو المعرض أن دقة ملامح الشخصية في لوحة فون أمبروس قد تشير إلى اعتماد الفنان على شخص حقيقي قابله، فيما تمنح الشقوق في البلاط وعدم انتظام الأرضية المشهد ملمحاً مختلفاً عن التصورات الفخمة والمبالغ فيها التي ظهرت في أعمال استشراقية أخرى.
الأزرق الجزائري عام 1958
ينتقل المعرض زمنياً إلى القرن العشرين مع لوحة البلجيكي إميل ديكرز «غطاء الرأس الأزرق» (The Blue Headdress)، وهي أحدث الأعمال المعروضة، إذ رسمها الفنان في الجزائر عام 1958.

إميل ديكرز، غطاء الرأس الأزرق. زيت على قماش، موقعة ومكتوب عليها "الجزائر، 1958" أسفل اليسار، 66 × 84 سم
وتظهر اللوحة، المنشورة في الصفحة الأولى من البيان، ثلاث زوايا لوجه فتاة ترتدي غطاء رأس أزرق لافتاً، في تكوين ثلاثي كان من السمات المعروفة في بورتريهات ديكرز.
ويربط البيان اللون الأزرق القوي بأغطية الرأس النيلية لدى الطوارق الجزائريين، فيما تتيح الزوايا الثلاث، بحسب قراءة المعرض، دراسة تفاصيل الزي والشخصية في آن واحد.
سوق القاهرة القديمة
وفي الصفحة الثالثة، تتسع العدسة من البورتريه إلى المشهد الحضري في لوحة «سوق القاهرة القديمة» (The Old Cairo Market) للنمساوي فرانز زافر كوسلر.
اللوحة، وهي زيت على قماش بقياس 135 × 83.3 سنتيمتراً، تقدم سوقاً مفتوحة مزدحمة بالبائعين والمتسوقين والأواني والحيوانات والمباني، في مشهد تتوزع داخله الشخصيات على مستويات متعددة.
ويمنح إدراج هذا العمل إلى جانب البورتريهات والمشاهد الداخلية المعرض نطاقاً أوسع في الموضوعات التي استخدمها الفنانون الأوروبيون لرسم المنطقة، من الفرد والملابس إلى العمارة والتعليم والأسواق والحياة اليومية.
مدارس أوروبية متعددة
يجمع «رؤى الشرق» فنانين يمثلون مدارس أوروبية مختلفة، بينهم البريطانيون فريدريك غودال، جون ألكسندر هارينغتون بيرد، والتر تشارلز هورسلي، وجورج إدوارد روبرتسون، والفرنسيان جان جوزيف بنجامين كونستان وأوجين ألكسيس جيرارديه.
كما يشارك البلجيكي إميل ديكرز، والإيطالي ألبرتو بازيني، والإسباني كليمنتي دي بوجول غوستافينو، والألماني كارل فريدريش هاينريش فيرنر.
ومن المدرسة النمساوية يضم المعرض أعمال لودفيغ دويتش، فرانز زافر كوسلر، ليوبولد كارل مولر، ورافائيل فون أمبروس.
معرض لا يفصل اللوحة عن زمنها
يقدم البيان «رؤى الشرق» بوصفه محاولة لقراءة الفن الاستشراقي بأكثر من عدسة؛ فهذه الأعمال لا تخبر المشاهد عن الأماكن والأشخاص الذين رسمتهم فحسب، بل تحمل أيضاً أثر النظرة الأوروبية إلى تلك الأماكن.
ومن هنا يأتي اختيار عنوان «رؤى الشرق» بصيغة الجمع. فالمعرض نفسه يقر بأن ما أنتجه الاستشراق تراوح بين المشهد المتخيل والمبالغة في تصوير الاختلاف الثقافي، وبين أعمال سعت إلى تسجيل العمارة والملابس والحياة اليومية بدقة أكبر.
وفي لندن، بعد أكثر من قرن على إنجاز عدد من هذه اللوحات، تعود تلك الصور إلى الجدار، لكن هذه المرة مصحوبة بالسؤال عن الشرق الذي سجلته، وأوروبا التي كانت تنظر إليه.
موعد المعرض: 7 أيلول (سبتمبر) – 3 تشرين الأول (أكتوبر) 2026
المكان: Darnley Fine Art، 4 Cecil Court، لندن


