: آخر تحديث

إسرائيل وتحولات القوة في المنطقة!

0
0
0

لا يمكن فهم الخيارات العسكرية بين إسرائيل وإيران، وما نشهده من حرب محدودة وضربات عسكرية متبادلة، إلا من منظور تحولات القوة التي تشهدها المنطقة، أو ما يعرف بالعقدة الأمنية أو عقدة ثيوسيديدس، ورغبة إيران أن تصبح دولة نووية من ناحية، ومن منظور كيف ترى إسرائيل أمنها وحدود هذا الأمن؟

صحيح، لكل دولة أمنها ومصالحها القومية، وهي أساس السلوك السياسي لكل دولة، وهي التي تفسر لنا لماذا الصراعات والحروب. لكن الأمر بالنسبة إلى إسرائيل يختلف عن بقية الدول الأخرى. بل إن إسرائيل تقدم أنموذجًا فريدًا في العلاقات بين الدول.

الأساس بالنسبة إلى إسرائيل الأمن الذي يَجُبُّ أي اعتبار آخر، حتى السلام. الأمر الثاني أنها قامت بالقوة والسيطرة ومحاولة طرد الفلسطينيين واستمرار احتلالها ورفضها لفكرة الدولة الفلسطينية أو فكرة حل الدولتين التي تعني الاعتراف الكامل بإسرائيل. والأساس الثالث أنها قامت بفعل القوى الاستعمارية في حينها في أهم منطقة استراتيجية في العالم لتقوم بدور الوكالة عنها، كما هو دورها اليوم في علاقاتها بأميركا.

لكن إسرائيل أيضًا تبقى دولة ولها رؤيتها ومصالحها وتحلم بقيام إسرائيل الكبرى في المنطقة أو مفهوم الدولة الأحادية، أو كما يقال أمنيًا: إسرائيل أولًا، وهو ما يعني الحيلولة دون قيام أي دولة بامتلاك أي قوة استراتيجية، فما بالنا بالقوة النووية التي تعني تقليص حدود الأمن الإسرائيلي.

والمسألة المهمة هنا أن إسرائيل أو فلسطين أصلًا دولة صغيرة من منظور المساحة الجغرافية، فمساحتها الإجمالية تقارب 27 ألف كيلومتر مربع بعمق قليل، ولهذا دلالات استراتيجية عميقة، والبديل لذلك بامتلاك القوة النووية واحتكارها ومنع أي دولة من دول الإقليم من امتلاكها، وهذا ينطبق على إيران وغيرها.

وإسرائيل قامت على القوة المسلحة والحرب، أولًا حرب 1948، وبموجبها أضافت ما يقارب 25 بالمئة من مساحة فلسطين أو المساحة التي خصصتها الأمم المتحدة بقرار التقسيم رقم 181، ثم حرب 1967 لتضم كل فلسطين وتخضع شعبها تحت الاحتلال حتى الآن، وما حرب غزة إلا حرب من أجل دفن القضية وتهجير شعبها.

وضمت مساحات عربية واسعة، وما تزال سيطرتها واحتلالها للجولان حتى الآن، وفي جنوب لبنان، وتجريدها لسلاح حزب الله وحماس وكل الفصائل الفلسطينية، فهي لا تقبل بأي مبرر لامتلاك السلاح. وإعلان نتنياهو بإسقاط النظام الإيراني ورفض قيام الدولة الفلسطينية بأي شكل.

وبناءً عليه سيبقى العامل الأمني هاجسها الدائم في كل علاقاتها العربية والإقليمية وليس السلام. وهذا ما يفسر لنا رفضها القاطع للدولة الفلسطينية، لأنه يهزمها أمنيًا.

فإسرائيل من الدول التي تعيش على التمدد الأمني، أما لو تخيلنا تقوقعها داخل مساحة صغيرة محاطة بالدولة الفلسطينية، فهذه هي نهايتها كدولة. ولذلك حدودها ورؤيتها لأمنها لا حدود لها، وكما قال الشاعر السوري محمد الماغوط: أحلام إسرائيل أطول من حدودها.

فلو أُعطيت كل فلسطين ستطلب من يجاورها، فلو أُعطيت لبنان مثلًا لطالبت بتركيا لحماية أمنها من تركيا، ولو أُعطيت سوريا ستطالب بما بعدها، العراق وصولًا لإيران، ولو أُعطيت أوروبا الشرقية لطالبت بأوروبا الغربية، ولو أُعطيت القطب الشمالي لطالبت بالقطب الجنوبي.

ولذلك هي لا تعترف بالأمن العربي ولا بأمن أي دولة عربية، وهذا ما قاله نتنياهو بعد الضربة العسكرية على إيران: إن هدفها ليس فقط حماية الوجود الإسرائيلي، بل حماية جيراننا العرب، تنصب نفسها الدولة الأحادية القادرة على توفير الأمن لكل دول المنطقة، لذلك من حقها فقط أن تكون دولة القوة الوحيدة في المنطقة، وسلامها سلام القوة وليس قوة السلام.

ووفقًا لهذه الرؤية، هي الدولة الوحيدة التي لها حق استخدام القوة ومنع أي دولة من امتلاك عناصر القوة التي قد تخل بموازين القوة لغير صالحها، وهذا ما قامت به إيران من وجهة نظرها، أنها تجاوزت حدود القوة، ولذلك وجب ضربها.

وحدود هذه الرؤية تصل إلى حدود باكستان، كما رأينا في إحدى تصريحات نتنياهو: أولًا إيران، ثم باكستان. في هذا السياق يمكن فهم حالة الحرب مع إيران ومع غيرها.

إسرائيل قامت على القوة ولا تعترف بقوة الشرعية، وتدرك أنها في وسط إقليم جغرافي ليس منها، وهنا المعادلة: التحكم في الواقع الجيوسياسي بالقوة والتفوق والاحتكار النووي.

وإن كان لهذا من دلالة، فهو استمرار حالة الحرب والصراع في المنطقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.