مع خطوات الإنسان المعاصر اللاهثة نحو الغد، وانشغاله بما سيأتي أكثر مما مضى، يظل الشعر واحدًا من آخر المخابئ الآمنة للجوهر الإنساني، فجوة صغيرة يطل منها الأمس على الغد، وتتصافح عندها الأحلام والذكريات، ويختلط الأثر بفكرة الخلود، والحقيقة برحلة البحث عنها.. فالشعراء الذين يذهبون بعيدًا في مجاهل الروح ثم لا يعودون إلينا إلا ببخور أرواحهم، ظلوا دائمًا شهودًا مختلفين على الوجود، يتركون في قصائدهم يومهم، وفي تداعياتهم أمسنا جميعًا، وفي حدسهم شيئًا من غدٍ لا نراه إلا حين يصلون إليه قبلنا.
ولعل الشعر لم يكن بعيدًا عن الفلسفة يومًا، وإن اختلفت أدواتهما وطرائق وصولهما إلى السؤال، فأبو العلاء المعرّي لم يكن شاعرًا يمكن تخليصه من فيلسوفه، كما أن ابن عربي والحلاج وجلال الدين الرومي لم يجدوا دائمًا حدودًا واضحة بين القصيدة والرؤية، فكانت اللغة عندهم تفكر بقدر ما تغني، وكان السؤال الفلسفي يلبس ثياب المجاز كي يحتمل الإنسان قسوته.
لهذا أقف بين الشعر والفلسفة بعيدًا عن صرامة المنهج وقريبًا من فوضى الرؤيا، فلا أنحاز إلى أحدهما، لأن كليهما في لحظة ما يبدو محتاجًا إلى الآخر، وفي عصر التجربة والبرهان والمختبر والسرعة، وجد الشعر والفلسفة نفسيهما أمام عالم لا ينتظر طويلًا، عالم يريد لكل سؤال إجابة، ولكل ظاهرة تفسيرًا، ولكل فكرة دليلًا.. وربما لهذا اقتربا أكثر، حيث أعارت الفلسفة القصيدة أسئلتها، وأعارها الشعر لغته، حتى غدت الفلسفة أحيانًا جسدًا للقصيدة، فيما أصبحت اللغة الشعرية ملامح ذلك الجسد وروحه.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أزمات القصيدة المعاصرة، وهي في ظني أزمة حضور لا أزمة وجود.. فقد غادرت القصيدة كثيرًا من ملامحها الموروثة، وذهبت، خصوصًا في تجارب قصيدة النثر، إلى التأمل والحكمة والسؤال الوجودي، بينما بقيت تجارب أخرى تستعيد سلطة القصيدة القديمة عبر الخطابية والمنبر والإيقاع، كأن المتلقي ما زال ذلك الجمع الذي ينتظر شاعر القبيلة ليقول عنه ما يحب أن يسمعه.. غير أن الزمن تغيّر، و حق على الشاعر أن يتغيّر معه...
هكذا تماما لم يعد الشاعر خطيبًا، ولا واعظًا، ولا وسيلة إعلام تحمل أخبار الجماعة وتعيدها إليهم مزينة بالقافية.. الشاعر المعاصر إنسان عادي.. يأكل ويشرب مايحب، يقرأ صحيفته، يشاهد التلفاز، يستمع إلى فيروز، يراقب فنجانه، ونافذته، وشجرة وحيدة في الطريق، ثم يعيد صياغة هذه التفاصيل الصغيرة حتى تصبح أكبر من يومه.. إنه لا يبحث عن البطولة بقدر ما يبحث عن الإنسان، وحين ينجح في ذلك، يصبح فنجان القهوة سؤالًا، والنافذة ذاكرة، والغيمة احتمالًا، والريشة الدائخة في قرية هجرتها عصافيرها منذ جفافها الأول تاريخًا كاملًا للغياب.!
هناك عند هذه المنطقة المضيئة والمؤلمة من الروح، يلتقي الشعر بالفلسفة.. كلاهما يحاول الوصول إلى الجوهر الإنساني، ذلك الجوهر المشع والحارق والمتوهج، الذي ما بلغه شاعر حقًا إلا وعاد إلينا منه بخورًا للتاريخ.

