عطية محمد عطية عقيلان
صدر مؤخرًا كتاب: «حياتي… أكثر من مجرد مكتبة»، لرجل الأعمال محمد عبدالرحمن العقيل وبعد قراءته احترت في وصفه: هل هو سيرة ذاتية؟ وهذا تصنيف يصح؛ لأنه يروي حياته وتنقلاته من حَرْمة إلى الرياض، ودراسته في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ثم ابتعاثه إلى أمريكا، وعودته للعمل في القطاع الخاص، قبل أن يشارك إخوته في استكمال تأسيس مشروعهم الخاص «مكتبة جرير».
وقد يُصنَّف كتابًا يؤرّخ لمراحل تجارية مهمة؛ إذ يتناول تحوُّل شركة عائلية إلى شركة مساهمة مغلقة، ثم إدراجها في السوق المالية. كما يرصد الأحداث التي سبقت الطفرة وما أعقبها، والأزمات الإقليمية، وما حدث في سوق الأسهم، وأزمة كورونا. ويعرض هذه الجوانب من منظور شامل يساعد على فهم الماضي والحاضر، واستخلاص الدروس والعبر منهما.
وقد يصلح أن يكون كتابًا فلسفيًّا يبحر بالقارئ عبر مفاهيم تحمل خلاصة الخبرة وتجارب العمل الإنساني والبذل، وتأسيس علاقة عائلية وعمل عائلي محوكم، والتعامل مع المرض، ومفاهيم الحياة والعلاقات وردود الأفعال.
ومهما يكن تصنيف الكتاب، فإنك تقف احترامًا وإجلالًا أمام هذه السيرة الجميلة والنموذج القدوة لرجل الأعمال؛ إذ يكشف الكتاب كيف غدت الثروة عامل بناء في تنمية المجتمع والإنسان، سواء أكان عاملًا أم متعاملًا مع هذه المؤسسة، وكيف انعكس ذلك على العمل الخيري المؤسسي؛ ليؤتي ثماره الحقيقية في توفير فرص العمل والمساعدة والحياة الكريمة للمحتاجين في مختلف أنحاء المملكة.
ويتجلى ذلك أيضًا في مبادرات خيرية متعددة تؤسس لفكر مستنير ومستدام في هذا المجال، ومنها تكفُّل العقيل بترجمة كتب إنجليزية عن مرض السرطان وطرائق التعامل معه، ودعمه المبادرات المجتمعية المتعلقة بمرضى السكري والبيئة، فضلًا عن أعمال خيرية فريدة، مثل كرسي محمد العقيل لدراسات الجزيرة العربية وآسيا في جامعة سنغافورة الوطنية، ومنحة «رودس» لدعم دراسة السعوديين في جامعة أكسفورد، وبرنامج الذكاء الاصطناعي مع جامعة «كاوست»، إلى جانب العديد من المبادرات التي تعكس نفسًا معطاءة تترك أجمل الإرث.
وقد ورث أبناء عبدالرحمن ناصر العقيل من والدهم، رحمه الله، بوصفه رائدًا في مجال التعليم، الإيمان بأهمية التعليم في الحياة واقترانه بالسمعة والثقة والمصداقية. وأصبحت هذه الصفات سمة ملازمة لهم، يذكرها كل من عرفهم وتعامل معهم.
وأذكر، في بداية تعاملي معهم في مجال تنفيذ الإعلانات في منتصف التسعينيات الميلادية، أن لقاءً كان يجمعني بمحمد العقيل، وكان يسألني دائمًا عما إذا كان السداد يتم وفق الاتفاق. وتعلمت منه درسي الأول: أن السمعة مهمة، و«هي تبيع وتشتري لك»، كما يقال.
وعايشت بنفسي تواضع شخصيته وحسن إصغائه؛ فقد كان يؤمن، كما قال في كتابه، بأن الإدارة تعني أن تصغي أكثر مما تتحدث، من دون أن يبخل برأي أو مشورة أو توجيه قد يفيدك. وهذا جانب استفدت منه كثيرًا على المستوى الشخصي، وأثّر إيجابيًّا في بعض قراراتي.
كتاب «حياتي… أكثر من مجرد مكتبة» سردية جميلة تنقلك عبر حكايات مصوّرة لشخصية عاشت في بيت من الطين ودرست في هارفارد. إنها مفارقات تنتج رؤية وفكرًا مختلفين، وتجعل القارئ يطوّر فكره ويعيش أزمنة وتجارب متعددة.
وهي أيضًا قصة أسرة تجارية بدأت مشروعها بقليل من المال وكثير من الإرادة والمصداقية؛ لتصنع علامة تجارية مميزة، وتترك أثرًا وقدوة حسنة في المجتمع. إن حكاية محمد العقيل تستحق القراءة، وتصلح أن تكون خريطة طريق لكل من يرغب في العمل الخيري أو التجاري، وحتى في بناء العلاقات الأسرية وخوض تجارب السفر. إنها محفّز للارتقاء بسلوكنا، وتوسيع مداركنا، وتكوين نظرة مختلفة إلى المال والحياة.
وأختم ببعض مقولاته الواردة في الكتاب، والمحفّزة على قراءة تفاصيله، ومنها:
«إن الذي يسير في النور لا يقلقه مَن يمسك الكشاف».
«لم أكن أريد أن أعيش بالنيابة عن الآخرين».
«لم نتعامل مع الأزمة على أنها كارثة، وإنما فرصة».
«غيّرتني القراءة؛ فتحوّل الخوف إلى فهم، ثم إلى تصالح، ثم إلى سكينة لا تعدني بالنجاة، لكنها تعلّمني الشجاعة».
«نحن في الأخير مستأمنون على المال. أميل إلى تقديم منحة تتراوح بين 20 و50 مليون ريال لعمل خيري نوعي أو كرسي في جامعة، بدلًا من أن أشتري بها يختًا».

