في كل مرة تخرج علينا فيها جهة صحية بمنصة رقمية جديدة، يتنفس المريض الصعداء ظنا منه أن مشوارا قد اختصر، أو إجراء قد أصبح أكثر سهولة، وتلك كانت من أهم مكتسبات التحول الرقمي، حين كانت التقنية تقاس بقدرتها على نقل الخدمة من «شباك المراجعة» إلى شاشة الهاتف.
غير أن المشهد تغير، فالطفرة الرقمية الكبيرة التي شهدها القطاع الصحي، حكوميا وخاصا، أوجدت في بعض جوانبها واقعا متشعبا، يجد فيه المريض نفسه متنقلا بين تطبيقات ومنصات وواجهات مختلفة، بينما تبقى بعض معلوماته الصحية موزعة بين أنظمة لا تتكامل بالقدر الذي تحتاجه رحلته العلاجية!
التحدي الصحي اليوم لم يعد يتعلق بمدى تطور الخدمة على شاشة الهاتف، بقدر ما يتعلق بمدى اتصالها خلف الشاشة. فالمريض لا يعنيه عدد الأنظمة التي تدير المشهد في الكواليس، ولا حجم التقنية المستخدمة فيها، بقدر ما يعنيه ألا يضطر إلى إعادة سرد تاريخه المرضي مع كل مراجعة، وألا يبحث في هاتفه عن تقرير قديم أو نتيجة تحليل سابقة لأن الطبيب الذي أمامه لا يستطيع الوصول إليها.
وحين يحدث ذلك، تفقد الرقمنة جزءا مهما من غايتها؛ لأن التحول الرقمي الحقيقي ليس استبدال الورق بالشاشة، وإنما جعل المعلومة الصحية أكثر وصولا وترابطا وأمانا، وأن تكون في المكان والوقت اللذين يحتاجهما المريض والطبيب.
وتزداد أهمية ذلك عندما ينتقل المريض من مركز رعاية أولية إلى مستشفى تخصصي، أو يتلقى علاجه بين القطاعين الحكومي والخاص، هنا يحتاج الطبيب إلى رؤية طبية متكاملة، لا إلى أجزاء من تاريخ المريض موزعة بين أنظمة مختلفة!
كما أن إعادة الفحوصات بسبب عدم توفر نتائج سابقة، أو تعذر الوصول إلى بعض المعلومات الصحية، هنا هدر للوقت، وارتفاع التكلفة واستهلاك موارد كان يمكن توجيهها إلى مرضى وخدمات أخرى، فضلا عن الوقت الذي يقضيه الطبيب في البحث عن المعلومة بدلا من التركيز على التشخيص والعلاج.
وفي المملكة، وبعد ما تحقق من تقدم كبير في التحول الرقمي الصحي، يبدو أن الاختبار المقبل ليس في زيادة عدد التطبيقات والمنصات بقدر ما هو في تعميق التكامل بينها، بحيث تنتقل المعلومة مع المريض، وتكون رحلته بين مستويات الرعاية والقطاعات المختلفة أكثر سلاسة.
لقد آن الأوان لتغيير السؤال الذي يقود المرحلة المقبلة من التحول الصحي. لم يعد السؤال: ماذا نطلق من خدمات جديدة؟ بل: كيف نجعل ما أطلقناه يعمل كمنظومة واحدة؟ فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس عدد التطبيقات ولا كثرة الميزات التقنية، وإنما قدرة المنظومة على إخفاء كل هذا التعقيد عن المستفيد.
المريض لا يريد أن يعرف كم نظاما يعمل خلف علاجه، ولا يريد تطبيقا جديدا كلما احتاج إلى خدمة جديدة.. إنه يريد شيئا أبسط من ذلك بكثير: رحلة علاجية واحدة، تتحرك فيها معلوماته معه أينما ذهب، ويرى فيها الطبيب الصورة كاملة.. فأفضل تقنية صحية ليست التي يراها المريض أكثر، إنما التي يحتاج إلى التفكير فيها أقل.

