بعض مراكز الأبحاث مشغولة بالبحث عن سر السعادة وكأنها تبحث عن وصفة تريد من الجميع الالتزام بها للوصول إلى السعادة، وهو هدف لا يمكن الوصول إليه بسبب الفروق الفردية بين الناس في الاهتمامات والاحتياجات والقدرات.
آخر هذه الجهود الحثيثة دراسة أجرتها جامعة تورنتو الكندية توصلت إلى أن سر سعادة الإنسان يكمن في استقلاليته في اتخاذ القرارات وليس المال أو المتعة اللحظية. لكن الدراسة أضافت عوامل أخرى ذات أهمية في تحقيق الرضا وهي العلاقات الإنسانية البناءة والشعور بالقدرة على الإنجاز. أما الأكثر تأثيرا -حسب الدراسة- فهو الاستقلالية في اتخاذ القرارات.
النتائج الواقعية التي تشير إليها الدراسة هي أن السعادة لا تكمن في المال أو المتعة اللحظية. السعادة أيضا أشمل من حصرها بشكل جوهري في حرية اتخاذ القرارات. العوامل المرتبطة بالسعادة كثيرة أبرزها: العلاقة مع الله ومنها راحة الضمير وصدق الإنسان مع نفسه والصحة البدنية والنفسية والتكيف الاجتماعي والشعور بالأمن والسلام وتوفر الاحتياجات الأساسية.. هذه العوامل ذات العلاقة تعني أن الدراسة المشار إليها لو أجريت في مجتمع آخر فسوف تأتي بنتائج مختلفة مع الأخذ في الاعتبار عينة الدراسة ومنهجيتها.
الأمر الأهم في قضية الدراسات والبحوث هو الموضوعات التي تستحق البحث. ليت الدراسات تركز على الأزمات والمشكلات التي يعاني منها الإنسان مثل الحروب والصراعات السياسية وما ينتج عنها من أزمات إنسانية مثل التشرد والمجاعة، ومشكلات أخرى مثل التعصب والعنصرية والأوبئة.
من المهم في موضوع الدراسات أن تكون الأولوية التركيز على القضايا التي تقف حائلا أمام سعادة الإنسان. نعم السعادة ليست في المتعة اللحظية، ولا في المال، لكن كثيرا من الناس في هذا العالم يبحثون عن الأمن والغذاء والملجأ والسلام قبل أن يتطلعوا إلى الحرية في اتخاذ القرار.
التعاون الدولي ضرورة ملحة لمعالجة القضايا الإنسانية بعيدا عن التناقضات السياسية من خلال المؤسسات والمنظمات المتخصصة. ثمة بحوث كثيرة في هذا المجال لكن يبدو أن المشكلة في نقلها من مرحلة التنظير إلى مرحلة التنفيذ.
سعادة الإنسان ليس لها أسرار خفية تحتاج إلى دراسات لكشفها، نعم الظروف التي يعيش فيها تختلف من مكان لآخر، والفروق الفردية بين الناس توجد في قمة هرم الاحتياجات الإنسانية، أما الاحتياجات الأساسية فهي مشتركة بين الجميع، وهي ليست احتياجات تقع في خانة الترفيه، وهذا يعني أن عدم إشباع هذه الحاجات هو الذي ينتظر الدراسات والحلول.

