صديقي العزيز
أكتب إليك اليوم وقد تراكمت في داخلي سنوات من الصمت، وأثقال من الأسى لا يحتملها قلبٌ أَلِفَ المودّة، وتربّى على حفظ العهد وصون الذاكرة. لم تكن كلمات كهذه تخطر ببالي يومًا، ولا كنت أظن أنّي سأجلس لأخطّها بهذا القدر من الانكسار، فأنا الذي عرفتُك عن قرب، وكنتُ ملازمًا لك زميلًا وصاحبًا عزيزًا على مدى يزيد على أربعين عامًا، ما بين مدّ وجزر، وفرح وشقاء، حتى غدت صداقتنا أقرب إلى قرابة الروح منها إلى مجرد رفقة عابرة.
لكنني، ويا للمفارقة، أراك اليوم بعيدًا عني، كأنك في قارة أخرى، أو في عالمٍ موازٍ، تفصلنا عنه أميال من الصمت لا من المسافات. أستعيد تلك الأيام، فأجد نفسي متمسّكًا بها أكثر مما ينبغي، كأنها الحبل الأخير الذي يربطني بك. لم أرتكب في حقك ذنبًا، ولم أتعمّد يومًا جرحك، بل كان جرمي الوحيد أنّي غادرتُ البلاد، لا هاربًا من صداقتك، بل فارًّا من واقعٍ جائرٍ، ومن حربٍ مدمّرة اجتاحت الأخضر واليابس، وسحقت أحلام الناس كما تسحق الريح الهشيم.
غادرتُ، لكنني لم أغادرك، ولم يغب عنّي حضورك، ولم أبخل عليك يومًا بما أستطيع. كنتُ، على قدر طاقتي، حريصًا على أن أمدّ إليك يدي بالعون، كما كنتَ أنت كريمًا في خدمتك ومساعدتك متى احتجتُ إليك. ولم تكن تلك المساندة بيننا سوى الوجه الطبيعي لعلاقةٍ توّجتها المودّة والاحترام، علاقة ارتديتُها وسامًا على صدري، وزيّنتُ بها أيامي، وكنت أراها امتدادًا لما نشأتُ عليه من قيم الوفاء، وما لقّنتني إيّاه التجارب المريرة من ضرورة الحفاظ على ما تبقى من الصدق وسط عالمٍ يزداد زيفًا يومًا بعد آخر.
صديقي
إنّي ما زلت أذكر تلك الجسور التي شيّدناها معًا، ثم تقطعت خيوطها واحدة تلو الأخرى، كأنّ الريح أصرّت على أن تجرّدنا من أجمل ما جمعنا. كانت صداقتنا في أوجها قمّةً في الإخلاص، تضرب مثلًا يُحتذى به بين الأصدقاء. شهدها كثيرون، ووقفوا مبهورين بصلابتها، حتى باتت موضع فخارنا معًا، ودليلًا على أن الروح الإنسانية قادرة على أن تصمد بالرغم من قسوة الأيام.
كنتَ، ولا أنسى، مثالًا للإنسان الذي يخدم الجميع بلا استثناء، الصغير قبل الكبير، القريب كما الغريب. محبّة الناس لك لم تكن وليدة صدفة، بل كانت ثمرة طبعٍ صافٍ، وسلالةٍ طيّبة، وعرقٍ أصيل لا يُنكر. كنتُ أراك ماثلًا أمامي كظلٍّ لا يفارقني، لم يفصلني عن لقائك شيء سوى أشغال طارئة أو ظروف قاهرة.
ولم تكن بالنسبة إليّ مجرد صديق، بل معلمٌ خفي، ووزير خارجية خاص، كما اعتدتُ أن أشبّهك، لما وهبك الله من فنّ التعامل مع الناس، وما اكتسبتَه من خبرة طويلة بالرغم من صغر سنك آنذاك. كنتَ تجيد نسج العلاقات، وتُحسن الإصغاء إلى الآخرين بحدسٍ عجيب، وتُضفي على حديثك أسلوبًا منمّقًا يكشف عن شخصية متزنة، راجحة العقل، ذات هيبة ووقار.
كنتَ، ولا تزال، إنسانًا لمّاحًا، ذكيًا إلى حد بعيد. يُدهشك ذكاؤك حين يلتقط ما يعجز غيرك عن فهمه. لمستُ فيك فطنةً نادرة، وأخلاقًا رفيعة، وحكمةً تشهد لها أعراف مجتمعك وتقاليده.
كنتَ تبغض الحقد، وتنأى بنفسك عن النميمة، وتسمو عن صغائر النفوس، فتغدو كبيرًا في فكر الناس قبل أن تكون كبيرًا في أعينهم.
كل ما فيك كان يدعو إلى المحبّة: نشاطك الدائم، ميولك لفعل الخير، إخلاصك لأصدقائك، خدمتك لهم من غير امتعاض.
كنتَ بسيطًا في مظهرك، جادًّا في عملك، واسع الأفق في علاقاتك، صديق الطفولة والشباب الذي لم أجد بديلًا عنه. ولهذا، فإنّ فقدك لم يكن فقد صديقٍ وحسب، بل فقد جزء من نفسي، ومن ماضيّ الذي أتشبّث به كي لا أتلاشى في غربةٍ لا ترحم.
وأقول لك، بالرغم من الفراق الطويل والبعد الذي التهم أجمل ذكرياتنا، من صبا مشترك، وطفولة مرّت بين أزقّة مدينتنا وشوارعها وعبق الأرض بعد المطر، فإن محبّتك ما زالت محفورة في قلبي، لا تمحوها السنين ولا تُبهتها المسافات. غير أنّك، ويا للأسى، بادرتَ يومًا إلى قطع ما بيننا، في أوج العلاقة، وبغير مبرّر يليق بسنواتٍ من العشرة.
حاولتُ أن أمدّ إليك خيوطًا جديدة، أن أستعيدك من وراء صمتك، لكنك قابلت محاولاتي بتبريرات واهية، لم تقنع أحدًا، ولم تخدع حتى نفسك.
يبدو أنك آثرت العزلة في بيتك، مبتعدًا عن الأصدقاء والمحبّين، كأن العلاقات الإنسانية لم تعد تعني لك شيئًا. ربّما وجدتَ ملاذك في الاهتمام بنفسك وأبنائك، وهذا حقّك الذي لا يُنازعك فيه أحد، لكني لم أتوقع أن تكون تلك النهاية لعلاقةٍ ظننتها أقوى من أن تهزمها الأعذار.
لم أظن يومًا أنني قصّرت معك، أو أنني أغلقت بابًا كان ينبغي أن أفتحه. كنتُ لك دومًا الأقرب، والأكثر محبّة، والأصدق ودًّا، وهذا طبع لا يتغير فيّ، مهما طال الزمن أو تغيّرت الأمكنة.
وما زلت، بالرغم من كل شيء، أعترف بفضلك الكبير، وبما أسديتَه لي من خدمات لا تُنسى. لا يليق بي أن أنكرها، ولا يليق بي أن أجعل المسافات سببًا لطمسها.
مكانتك في قلبي ما زالت كما كانت: رفيعة، عزيزة، لا تزحزحها خيبة ولا يغيّرها جفاء. حتى وإن رفضت التواصل، وأصررت على القطيعة، وأيًّا كانت الذرائع، فأنت تظل في عيني صديقًا لا يُعوّض.
إنني أعذرك، مهما بدا الأمر قاسيًا. أعذرك لأنك ابن منبتٍ طيب، وسليل أسرة مشهود لها بالكرم والنبل والوفاء. أعذرك لأنني أرى خلف قرارك صراعًا داخليًا قد لا أُدرك أبعاده، وربّما جراحًا لم تندمل بعد. فلتكن كما تشاء، وليكن لي شرف الاحتفاظ بك في ذاكرتي، لا كغائبٍ هجر، بل كحاضرٍ يضيء ماضيًا جميلًا، ويترك في القلب أثرًا لا يزول.
صديقي الغائب
لستُ أكتب هذه الكلمات لأعاتبك فحسب، بل لأقول لك إن الإنسان بلا صداقة صادقة يفقد جزءًا من إنسانيته. وإنني، مهما تباعدت بنا السبل، ما زلتُ أتمسّك بك في داخلي، كما يتمسّك الغريق بخشبة نجاة.
ربّما يطوي العمر صفحاتنا، وربّما تمضي السنون دون أن نلتقي، لكنك ستظلّ جزءًا لا ينفصل عن سيرة حياتي، وذكرى أحنّ إليها كلما أثقلني الحنين.
فإن ضاق بك الحال، أو ضاقت بك نفسك، فتذكّر أن هناك قلبًا في مكانٍ ما، لم يتخلّ عنك يومًا، وما زال على العهد باقيًا.

