لم تكن أزمة اليمن مجرد صراع سياسي طال أمده، ولا خلافًا على السلطة يمكن أن تُطوى صفحته بتسوية مؤقتة. فحين خرج الحوثي على الدولة والشرعية وأشهر السلاح في وجه الدولة محاولًا صناعة واقع جديد، من هنا بدأت فاتورة ثقيلة لم تدفعها مؤسسات الدولة وحدها، بل دفعها الإنسان اليمني في أمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه.
سنوات مضت، واليمني هو من يدفع الثمن، أسرة فقدت عزيزًا، وأخرى غادرت منزلها بحثًا عن الأمان، وطفل كان يفترض أن يكون في مدرسته فوجد نفسه أمام واقع تصنعه الحرب، ومواطن أنهكته الظروف الاقتصادية حتى أصبحت تفاصيل الحياة اليومية عبئًا إضافيًا فوق أعباء الصراع.
ولعل من أكثر صفحات هذه الأزمة إيلامًا ما يتعلق بالأطفال، فتجنيدهم والزج بهم في الصراع لا يعني خسارة حاضرهم فحسب، بل الاعتداء على مستقبل اليمن نفسه. فالطفل الذي يُنتزع من التعليم ويُدفع إلى ساحات القتال لا تُسرق منه سنوات عمره وحده، وإنما يُزرع في المجتمع جرح قد يحتاج إلى أجيال حتى يلتئم.
أما الألغام فهي وجه آخر لمأساة لا تنتهي بانتهاء المعركة. قد يصمت صوت السلاح في مكان ما، لكن لغمًا مدفونًا في طريق أو مزرعة يمكن أن يواصل القتل سنوات طويلة، ويبقي الخوف حاضرًا في حياة المدنيين، ويعطل عودة الناس إلى أراضيهم ومصادر أرزاقهم.
ولم يقف الضرر عند الإنسان، فقد تعرضت مؤسسات الدولة والاقتصاد والنسيج الاجتماعي اليمني لضربات متلاحقة، وحين تضعف مؤسسات الدولة وتتعدد سلطات الأمر الواقع يصبح المواطن أول من يخسر، لأن الدولة ليست مباني ومناصب، وإنما أمن وقضاء وتعليم وصحة واقتصاد ونظام يحفظ للناس حقوقهم.
وهنا تكمن خطورة المشروع الحوثي، فهو لم يقدّم لليمن شيئًا، ولم تكن أهدافه وطنية ولا ولاؤه لليمن، وإنما ارتبط بمشروع إقليمي إيراني جعل من الجماعات المسلحة أدوات نفوذ تتجاوز حدود الدولة ومصالح شعوبها، وعندما يصبح قرار الجماعة مرتبطًا بحسابات خارج حدود وطنها فإن المواطن هو من يتحمل كلفة تلك الحسابات.
واليمن ليس بلدًا بلا تاريخ أو هوية حتى يُعاد تشكيله وفق مشروع ميليشيا مسلحة. إنه بلد عربي عريق، وشعب يستحق دولةً تستوعب أبناءه، ومؤسسات تحمي حقوقهم، وسلاحًا يكون بيد الدولة لا فوقها.
لقد دفع اليمن ثمنًا باهظًا، وربما كانت أقسى خسائره تلك التي لا تظهر في أرقام الضحايا أو التقارير الاقتصادية، سنوات ضاعت من أعمار الناس، وأجيال نشأت وسط الحرب، وفرص تنمية تعطلت، وموارد كان يمكن أن تبني وطنًا استنزفها صراع لم يختره المواطن اليمني البسيط.
ومهما طال أمد الأزمة، تبقى حقيقة لا تغيرها موازين القوة المؤقتة: لا شرعية دائمة يصنعها السلاح، ولا ميليشيا بولاءٍ عابر للحدود تتحول إلى دولة.
قد تستطيع الجماعات المسلحة أن تفرض أمرًا واقعًا لبعض الوقت، وأن تستنزف وطنًا وشعبًا، لكنها لا تستطيع أن تلغي معنى الدولة ولا حق الشعوب في استعادتها.
دفع اليمن الثمن، وحان أن يستعيد اليمنيون دولتهم، فاليمن أكبر من الحوثي، وأبقى من الميليشيا، وأعمق من أي مشروع عابر للحدود.

