هناك أجيال وُلدت وعاشت وماتت داخل زمن واحد تقريبًا، وهناك أجيال أدركت زمنين. أما جيلي، فأشعر أحيانًا أن الزمن فعل به شيئًا لم يفعله بأجيال كثيرة قبله؟
وُلدت عام 1975 في عالم لم يكن يعرف الإنترنت، وعشت شبابي في زمن كان الحصول على المعلومة يحتاج إلى بحث وكتاب وسؤال وربما سفر، ثم وجدت نفسي، بعد نصف قرن، أعيش في عالم تستطيع فيه آلة أن تكتب وتبحث وتحلل وتقترح وتجيب خلال ثوانٍ.
وإذا امتد بنا العمر سنوات أخرى، فقد نتقاعد في عالم لم يعد الإنسان فيه، بالضرورة، الكائن الأذكى على الأرض.
هذه ليست جملة أقولها إعجابًا بالتكنولوجيا ولا خوفًا منها، إنها ببساطة واحدة من أغرب الحقائق التي أجد نفسي أمامها كلما فكرت في السنوات التي عشتها، لقد بدأنا حياتنا في عالم تناظري، وعملنا في عالم رقمي، وندخل الآن عالمًا خوارزميًا.
ولهذا أجد في أبناء جيلي شيئًا يشبه الشاهد التاريخي. فنحن لا نعرف العالم القديم من الكتب أو الأفلام، لقد عشناه فعلًا ونعرف معنى أن تضيع منا معلومة فلا نجدها، وأن نحفظ رقم هاتف لأننا مضطرون إلى حفظه، وأن نخطئ الطريق فلا توجد خريطة زرقاء صغيرة تعيدنا إليه، وأن نختلف حول معلومة ولا يستطيع أحد أن يخرج هاتفه لينهي النقاش خلال عشر ثوانٍ.
لا أقول إن ذلك العالم كان أفضل، لم يكن كذلك بالضرورة، لكنه كان عالمًا يضطر الإنسان إلى استخدام قدر أكبر من نفسه، كان عليه أن يتذكر، ويبحث، وينتظر، ويجرب، ويخطئ، ثم يدفع أحيانًا ثمن الخطأ من وقته وعمره.
أما اليوم فقد تغيرت المعادلة، الهاتف يتذكر بدلاً منا، والتطبيق يعرف الطريق، والمنصة تقترح علينا ما نقرأ وما نشاهد، ومحرك البحث يكمل السؤال قبل أن ننتهي من كتابته، والذكاء الاصطناعي لم يعد يكتفي بإحضار المعلومة، بل بدأ يشرحها ويحللها ويعيد صياغتها ويتخذ موقعًا متقدمًا في عملية التفكير نفسها.
وهنا تحديدًا يبدأ قلقي، ليس السؤال بالنسبة إليّ: إلى أي مدى ستصبح الآلة ذكية؟
الأرجح أنها ستصبح أذكى بكثير مما نتخيل الآن، والسؤال الذي يعنيني هو: ماذا سيحدث لنا نحن؟
فمنذ أن صنع الإنسان أول أداة، كانت العلاقة واضحة إلى حد كبير: الإنسان يفكر، والأداة تنفذ. المطرقة لم تكن تقترح على النجار شكل الباب، والسيارة لم تكن تختار لصاحبها وجهته، والكتاب لم يكن يقرر للقارئ أي صفحة ينبغي أن يقرأها، أما اليوم فقد دخلت الأداة إلى منطقة كانت طوال التاريخ حكرًا على الإنسان: الاختيار!
هي تقترح الأغنية التالية، والفيلم التالي، والطريق الأفضل، والخبر الذي يستحق أن يظهر أمامك، والشخص الذي قد ترغب في متابعته، والسلعة التي يُحتمل أن تشتريها، والخطوة التالية تحدث الآن أمامنا: أن تقترح ماذا نكتب، وكيف نفكر في المشكلة، وأي قرار يبدو أكثر عقلانية.
لا أرى في ذلك مؤامرة، ولا أعتقد أن علينا محاربة التكنولوجيا. أنا نفسي أعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي وأؤمن بالإمكانات الهائلة التي يمكن أن تمنحها للإنسان، لكن الإعجاب بالأداة لا يعفينا من السؤال عن الثمن؟
كل تقنية عظيمة أعطتنا شيئًا وأخذت منا شيئًا آخر، السيارة أعطتنا المسافة وأخذت جزءًا من المشي، والآلة الحاسبة أعطتنا السرعة وأخذت شيئًا من الحساب الذهني، والهاتف أعطانا ذاكرة خارجية هائلة، لكنه جعل كثيرًا منا عاجزًا عن تذكر أرقام كان أطفال الأمس يحفظونها بسهولة؟
فماذا سيعطينا الذكاء الاصطناعي؟ وماذا سيأخذ؟
أخشى أن تكون الإجابة أكثر تعقيدًا هذه المرة، لأن ما نتحدث عنه ليس عضلة في الجسد، بل بعض وظائف العقل نفسه، وهنا يظهر جيل جديد أسميه الجيل الخوارزمي؟
الجيل الرقمي استخدم الإنترنت. أما الجيل الخوارزمي فسوف يكبر في عالم تتوسط فيه الخوارزمية علاقته بالمعرفة منذ طفولته، وهناك فرق كبير بين أن تبحث عن شيء وبين أن يُقترح عليك قبل أن تبحث عنه.
في الأولى توجد رحلة: سؤال، وحيرة، ومحاولة، وخطأ، وربما اكتشاف لم تكن تبحث عنه أصلًا، أما في الثانية فتصل الإجابة بسرعة مذهلة، لكنك قد لا تعرف الطريق الذي كان سيقودك إليها.
وأحيانًا يكون الطريق أهم من الإجابة.
أتذكر كم من الأشياء تعلمناها ونحن نبحث عن شيء آخر. تفتح كتابًا من أجل معلومة فتقع عيناك على صفحة تغير فكرة في رأسك. تضيع في مدينة فتعرف مكانًا لم تكن ستقصده. تخطئ في قرار فتخرج منه بخبرة لا يمكن لأي كتاب أن يمنحك إياها.
الحياة البشرية نفسها لم تكن يومًا خوارزمية محسنة للوصول إلى أفضل نتيجة، كان فيها قدر كبير من الضياع والخطأ والمصادفة، وربما لهذا كانت إنسانية!
المشكلة أن الراحة مغرية. الإنسان بطبيعته يحب الطريق الأقصر. وإذا وجد من يفكر عنه، فمن الصعب أن نقنعه كل مرة بأن يتعب نفسه بالتفكير.
وهذا ما يقلقني أكثر من فكرة (تمرد الآلات) التي تحبها أفلام الخيال العلمي، شخصيًا لا أخشى كثيرًا آلة تستيقظ ذات صباح وتقرر السيطرة على البشر. أخشى بشرًا يستيقظون كل صباح وقد أصبحوا، من فرط الراحة، أقل رغبة في استخدام عقولهم!
فالقدرات التي لا نستخدمها تضعف، والسؤال الذي لا نطرحه يموت بالتدريج، والعقل الذي يتلقى الإجابات باستمرار قد ينسى، مع الوقت، كيف يصنع سؤالًا جيدًا؟
هنا أصل إلى المسألة التي أعتقد أنها ستكون أثمن ما يملكه الإنسان في العقود المقبلة: الحكمة.
طوال حياتنا المهنية كنا نراكم الخبرة. كان الإنسان يحتاج عشرين أو ثلاثين سنة في مهنة ما حتى يقال عنه إنه خبير. عاش الوقائع، وارتكب الأخطاء، ورأى الحالات النادرة، وتعلم متى يثق بالقواعد ومتى يشك فيها، اليوم يستطيع نظام ذكي أن يراجع في دقائق كميةً من المعلومات لا يستطيع خبير واحد قراءتها طوال حياته.
إذن ماذا يبقى للخبير؟
في رأيي، يبقى الجزء الأصعب: أن يعرف ماذا يفعل بكل هذه المعرفة؟
الحكمة ليست أن تعرف أكثر، بل أن تعرف ما الذي يستحق أن يؤخذ من كل ما تعرفه. وليست أن تصل إلى القرار الأكثر كفاءة دائمًا، بل أن تدرك أن القرار الأكثر كفاءة قد يكون أحيانًا القرار الأسوأ إنسانيًا، الخوارزمية تستطيع أن تحسب الاحتمالات، لكن البشر لا يعيشون بالاحتمالات وحدها، هناك الرحمة والوفاء والكرامة والشرف والضمير. وهناك قرارات اتخذها بشر وهم يعرفون أنها ليست الأكثر ربحًا ولا الأكثر أمانًا، لكنهم اتخذوها لأن شيئًا في داخلهم قال إن هذا هو الصواب.
لقد رأيت في حياتي حروبًا وثورات، ورأيت دولًا تنهض وأخرى تتهاوى، وشاهدت بشرًا في لحظات لا تمنح الإنسان وقتًا طويلًا للحساب، ولم أجد أن مآسي البشر كانت دائمًا بسبب نقص المعلومات. في أحيان كثيرة كانت المعلومات موجودة، والعقول موجودة، والخبراء موجودون، لكن ما غاب كان شيئًا آخر: الحكمة.
لذلك لا أخشى أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً منا، قد يحدث ذلك، وربما في مجالات كثيرة حدث بالفعل، ما أخشاه حقًا أن نصبح نحن أقل حكمة لأننا اعتدنا أن يفكر غيرنا عنا.
أتخيل نفسي بعد سنوات، عندما يحين وقت التقاعد. ربما سأجلس في مدينة تدير أنظمتها خوارزميات لا تنام. سيارات بلا سائق، وطائرات بلا طيار، وروبوتات تعمل في المصانع والمستشفيات والبيوت، ومساعد رقمي يعرف الطفل منذ سنواته الأولى ويرافقه في دراسته وعمله وحياته.
سيكون عالمًا أكثر سرعة ودقة وكفاءة من العالم الذي ولدت فيه، ولا مشكلة لدي في ذلك، لكنني سأظل أبحث عن شيء واحد فيه: هل أصبح أكثر إنسانية أيضًا؟
ذلك هو الامتحان الذي لا أعتقد أن التكنولوجيا تستطيع أن تجيب عنه نيابة عنا، لا أريد أن أنافس الذكاء الاصطناعي في سرعة الكتابة، ولا في عدد الكتب التي يستطيع قراءتها، ولا في كمية البيانات التي يمكنه تحليلها. ستكون منافسة سخيفة، مثل رجل يقرر أن ينافس سيارة في سباق سرعة، المعركة الحقيقية في مكان آخر، أن نحافظ على حق الإنسان في أن يسأل قبل أن يطلب الإجابة، أن يشك، أن يجرب، أن يخطئ أحيانًا، وأن يملك الشجاعة لرفض الاقتراح الأفضل حسابيًا إذا تعارض مع ضميره.
ربما يقرأ أحد أحفادي هذه الكلمات بعد خمسين عامًا ويبتسم. سيستغرب أننا كنا نقود السيارات بأنفسنا، ونحفظ أرقام الهواتف، ونبحث في الكتب، ونقف أحيانًا في الشارع لأننا لا نعرف الطريق.
وقد تبدو له حياتنا بدائية كما تبدو لنا اليوم حياة أجدادنا.
لا بأس، كل جيل يبتسم قليلًا عندما ينظر إلى أدوات الجيل الذي سبقه، لكنني أتمنى ألا يبتسم عندما يقرأ أننا كنا نخشى فقدان قدرتنا على التفكير بأنفسنا، وأتمنى، أكثر، أن يكون خوفنا قد ثبت أنه مبالغ فيه.
لأنني لا أريد أن أكون محقًا في هذا المقال، أريد أن يأتي المستقبل ويثبت أن الإنسان استطاع أن يصنع عقلًا أعظم من كل ما صنعه من قبل، من دون أن يسمح لذلك العقل بأن يجعله أصغر.
فنحن، أبناء ذلك العالم القديم، نحمل ذاكرة ربما لن تتكرر: عرفنا الإنسان قبل الإنترنت، ثم عرفناه معه، ونراه الآن وهو يدخل للمرة الأولى في شراكة يومية مع عقل صنعه بيديه.
ولهذا أشعر أحيانًا أننا لا نشهد ولادة الذكاء الاصطناعي فقط؟
نحن نشهد امتحانًا للإنسان نفسه، وعندما ينظر المؤرخون إلى هذا القرن بعد زمن طويل، ربما لن يكون السؤال الأهم: من صنع أقوى نموذج، أو أسرع حاسوب، أو أعظم خوارزمية؟
قد يكون السؤال أبسط وأقسى: حين أصبحت الآلة قادرة على التفكير معنا، هل واصلنا نحن التفكير؟


