: آخر تحديث
عام 2050:

العالم الذي سيصل إليه أبناؤنا… ولن نتعرّف عليه

0
0
0

2050 ليست بعيدة . طفل يولد اليوم سيكون في الرابعة والعشرين من عمره تقريباً ، ومن هو في الثلاثين الآن سيكون في منتصف الخمسينيات وكثيرون ممن يقرأون هذه الكلمات سيصلون إليها ، لكن العالم الذي سيصلون إليه قد لا يشبه العالم الذي نعرفه.

بحلول منتصف القرن سيقترب عدد البشر من عشرة مليارات إنسان، وستبقى آسيا موطن أكثر من نصف البشرية، بينما تقترب أفريقيا وحدها من ربع سكان الكوكب ، في المقابل، ستشيخ مجتمعات أوروبية وشرق آسيوية، وستصبح ندرة الشباب مشكلة اقتصادية لا تقل خطورة عن البطالة التي نخاف منها اليوم…!

لكن الرقم الأخطر ليس عدد البشر بل من أين سيأتون، وأين سيعيشون، ومن سيعمل بدلاً منهم، ومن سيملك بياناتهم…؟

في 2050 سيكون مركز الثقل البشري قد تحرك جنوباً ، أفريقيا، التي تعامل معها العالم طويلاً باعتبارها هامشاً اقتصادياً ، ستصبح واحدة من أكبر خزانات الشباب والعمل والاستهلاك في التاريخ ، نيجيريا وإثيوبيا والكونغو ومصر ستقف داخل عالم ديموغرافي مختلف، بينما تواجه دول أخرى السؤال المعاكس تماماً:

أين ذهب الناس؟

الصين التي ارتبط اسمها لعقود بالكتلة البشرية الهائلة ستواجه شيخوخة وانكماشاً سكانياً متزايداً ، اليابان وكوريا وأجزاء من أوروبا ستبحث عن العمال كما كانت دول أخرى تبحث عن الوظائف.

وهنا ستحدث المفارقة: في عالم يزداد فيه البشر، ستعاني بعض الدول من نقص الإنسان ، لكنها لن تنتظر طويلاً 

الروبوت قادم ، بحلول 2050 قد لا يكون السؤال: كم عدد سكان هذه الدولة؟ ، بل: كم عدد البشر والروبوتات والأنظمة الذكية التي تعمل فيها؟

المصنع الذي كان يحتاج ألف عامل قد يحتاج عشرات البشر فقط. المستودعات ستعمل بأنظمة ذاتية، والشاحنات ستقود نفسها في مسارات متزايدة، والموانئ ستصبح أكثر استقلالاً ، والطائرات المسيّرة ستنقل جزءاً من البضائع، والخوارزميات ستدير عمليات كانت تحتاج مؤسسات كاملة.

وقد يولد لأول مرة مفهوم جديد للقوة:

الناتج القومي الآلي…!

لن تتنافس الدول فقط على عدد السكان أو حجم العمالة، بل على مقدار (العمل الاصطناعي) الذي تستطيع إنتاجه.

وفي المدن سيحدث انقلاب آخر ، اليوم يعيش أكثر من نصف البشر في المدن، وبحلول 2050 سيقترب الرقم من سبعة من كل عشرة. ستكبر المدن حتى يصبح بعضها أقرب إلى دول صغيرة: ملايين البشر، مليارات الحساسات، مركبات ذاتية، كاميرات، طائرات مسيّرة، شبكات كهرباء ذكية ومبانٍ تتحدث باستمرار مع أنظمة مركزية.

المدينة لن تكون مجرد إسمنت ، ستصبح كائناً خوارزمياً تعرف أين يوجد الازدحام قبل حدوثه، وتعيد توزيع الطاقة، وتراقب استهلاك المياه، وتكتشف الأعطال، وربما تتنبأ بالجريمة والمرض والحركة الاقتصادية.

وهنا يظهر السؤال المخيف: من يدير المدينة… العمدة أم الخوارزمية؟

ثم هناك الماء ، بحلول منتصف القرن سيعيش مليارات البشر تحت درجات متفاوتة من الضغط المائي. وستصبح تحلية المياه وإعادة استخدامها والزراعة الدقيقة والأغذية المصنّعة تكنولوجياً جزءاً من الأمن القومي ، وقد تصبح قطرة الماء في بعض المناطق أكثر استراتيجية من برميل النفط.

أما الطاقة فلن تختفي أهميتها؛ ستتغير خريطتها. الشمس والرياح والتخزين والهيدروجين والطاقة النووية ستتوسع، بينما ستظل الهيدروكربونات جزءاً من منظومة الطاقة والصناعة لفترة طويلة، ولكن العالم سيتنافس بصورة متزايدة على شيء آخر: الكهرباء الرخيصة والموثوقة التي تُغذي الذكاء الاصطناعي.

لأن الذكاء نفسه سيصبح صناعة ثقيلة ، مراكز البيانات ستستهلك طاقة ومياه ومساحات هائلة. والدولة التي تمتلك الطاقة والحوسبة والرقائق والبيانات لن تمتلك اقتصاداً متقدماً فحسب؛ بل ستمتلك جزءاً من العقل الذي يدير الاقتصاد العالمي.

وفي 2050 قد يبدو الهاتف الذكي الذي نحمله اليوم قطعة أثرية ، الحوسبة ستنتقل أكثر إلى النظارات والأجهزة القابلة للارتداء والسيارات والمنازل والروبوتات، وربما لاحقاً إلى واجهات أكثر التصاقاً بالجسد. لن (ندخل الإنترنت) كما نفعل اليوم بل سنعيش داخله ، وسيتغير الطب أيضاً ، الذكاء الاصطناعي سيقرأ الصور الطبية، والجينوم سيكشف استعداداتنا لأمراض قبل ظهورها، والأعضاء والأنسجة الحيوية المصنعة ستتطور، والعلاجات ستصبح أكثر تخصيصاً للفرد ، وقد يصبح أكبر إنجاز طبي في القرن الحادي والعشرين ليس علاج مرض واحد، بل إبطاء الشيخوخة الصحية نفسها.

لكن وسط كل هذه التحولات، سيبقى السؤال الأعظم سياسياً: من سيكون قوياً عام 2050؟

ليس بالضرورة صاحب أكبر جيش ولا صاحب أكبر عدد من السكان ، القوة ستكون لمن يملك الطاقة، والماء، والرقائق، والبيانات، والخوارزميات، والروبوتات، والعقول البشرية القادرة على توجيهها.

لهذا فإن سباق 2050 بدأ بالفعل ، الدول التي ما زالت تناقش المستقبل بوصفه موضوعاً ثقافياً ستكتشف متأخرة أن دولاً أخرى كانت تبنيه باعتباره مشروعاً سيادياً ، وفي ذلك العالم، لن تنقسم البشرية ببساطة إلى دول غنية وفقيرة…!

سيظهر خط أكثر قسوة: دول تصنع المستقبل… ودول تشتريه ، والأخطر أن من يشتري المستقبل، قد يكتشف يوماً أن شروط استخدامه كتبها الآخرون.

2050 ليست نبوءة ، إنها مصانع تُبنى الآن، ورقائق تُصمم الآن، وأطفال يتعلمون الآن، ومدن تُخطط الآن، وخوارزميات تتدرب الآن وحين يأتي ذلك العام، لن يكون السؤال: كيف وصل العالم إلى هنا؟

بل: أين كنّا نحن عندما كان الآخرون يبنون هذا العالم؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.