: آخر تحديث

ليبيا دولة مؤجلة

0
0
0

بعد خمسة عشر عامًا على سقوط معمر القذافي، لا تزال ليبيا تبحث عن السؤال الذي لم تجد له إجابة منذ 2011: كيف تتحول نهاية الصراع على السلطة إلى بداية فعلية لبناء سلطة واحدة؟ اليوم تبدو البلاد أبعد عن الحرب الشاملة التي عرفتها في سنوات سابقة، لكنها لم تصل بعد إلى سلام سياسي مكتمل. وما جرى في 30 آب (أغسطس) 2026، عندما وقّعت أطراف ليبية من الشرق والغرب اتفاق مجموعة "4+4" برعاية الأمم المتحدة، أعاد فتح نافذة طال انتظارها لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا، مع إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وحسم القضايا الدستورية والقانونية العالقة. أهمية الاتفاق لا تكمن في توقيعه بقدر ما تكمن في قدرته على تجاوز العقدة التي أفشلت انتخابات 2021. فليبيا لا تعاني فقط من خلاف حول موعد الاقتراع، وإنما من صراع أعمق على قواعد اللعبة نفسها: من يضع القوانين الانتخابية؟ من يضمن قبول نتائجها؟ ومن يدير البلاد خلال المرحلة الانتقالية؟ لذلك فإن تحديد سقف زمني يبلغ 24 شهرًا يمثل تقدمًا سياسيًا، لكنه لا يضمن وحده أن تصل صناديق الاقتراع إلى نهاية الطريق.

في قلب هذه المعادلة يقف المشير خليفة حفتر، الذي أصبح خلال السنوات الماضية القوة العسكرية والسياسية الأبرز في شرق ليبيا، ويمتد نفوذه إلى مناطق واسعة في الجنوب. وفي المقابل، تتمركز الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس، حيث تتداخل السلطة الرسمية مع نفوذ مجموعات مسلحة وقوى محلية. ولهذا فإن أي انتخابات مقبلة ستبقى مرتبطة بالسؤال الأصعب: هل تقبل مراكز القوة العسكرية والسياسية نتائج الانتخابات حتى إذا جاءت ضد مصالحها؟

وهنا تظهر أهمية الدور الخارجي. ليبيا ليست جزيرة سياسية معزولة، بل تقع عند نقطة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا وتركيا ومصر والإمارات والجزائر. الولايات المتحدة والأمم المتحدة تدفعان باتجاه توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات، فيما تنظر أوروبا إلى ليبيا أيضًا من زاوية الهجرة وأمن المتوسط والطاقة. أما روسيا فقد جعلت من وجودها في شمال أفريقيا والساحل جزءًا من سياستها الأوسع، بينما رسخت تركيا خلال السنوات الماضية حضورًا سياسيًا وعسكريًا في غرب ليبيا. وفي المقابل، تحتفظ مصر بعلاقة وثيقة مع معسكر الشرق بسبب اعتبارات أمن الحدود ومصالحها الإقليمية.

وليس من السهل فصل الموقف العربي عن هذه الحسابات. فالعواصم العربية لا تتبنى رؤية واحدة تجاه ليبيا، لكن القاسم المشترك بينها هو الخوف من استمرار الانقسام وتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للتنافس الدولي. الجزائر تميل إلى الحل السياسي والحفاظ على وحدة ليبيا، ومصر تضع أمن حدودها الغربية في مقدمة أولوياتها، بينما ارتبط الدعم الإماراتي تاريخيًا بمعسكر الشرق. ولذلك فإن نجاح المسار الجديد يحتاج، إلى جانب التوافق الليبي، إلى تفاهم إقليمي لا يحوّل الانتخابات إلى جولة جديدة من الصراع بالوكالة.

المشكلة أن السياسة الليبية لا تنفصل عن المال والنفط. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، ويظل النفط المصدر الرئيسي للإيرادات والصادرات. وقد شهد الاقتصاد نموًا قويًا مع عودة إنتاج النفط، لكن المؤسسات المالية لا تزال معرضة لتأثير الانقسام السياسي. ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الليبي نما بنسبة 13.4 بالمئة في 2025، مع توسع الناتج النفطي بنسبة 17.4 بالمئة، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن استمرار التجزؤ السياسي يمثل خطرًا أساسيًا على الاستقرار الاقتصادي. أما صندوق النقد الدولي فذهب أبعد من ذلك، محذرًا من اختلالات مالية ودين عام مرتفع ومسار لا يمكن استدامته في ظل السياسات الحالية.

وهذا يفسر لماذا يصبح النفط في ليبيا أكثر من مجرد ثروة طبيعية، فهو جزء من معادلة السلطة نفسها. فكلما بقيت المؤسسات المالية والأمنية منقسمة، ظل التحكم في الإيرادات والنفقات وسيلة للصراع السياسي. وحتى المنشآت النفطية لم تكن بعيدة عن هذا الواقع، إذ تعرض مجمع الزاوية النفطي في آب (أغسطس) لهجمات بطائرات مسيّرة أدت إلى اشتعال خزانات وقود وتعطيل جزئي للإمدادات في غرب البلاد، في حادثة تذكّر بأن هشاشة الأمن يمكن أن تتحول سريعًا إلى أزمة اقتصادية.

لكن أخطر ما خلفته سنوات الفوضى لا يرتبط بالنفط وحده. فمنذ انهيار نظام القذافي، أصبحت ليبيا إحدى العقد الرئيسية في شبكات تهريب السلاح والبشر عبر شمال أفريقيا والساحل. تقارير الأمم المتحدة وثقت كيف ساهم انهيار الرقابة على مخزونات الأسلحة الليبية بعد 2011 في انتقال كميات من الأسلحة والذخائر إلى دول ومناطق تعاني أصلًا من ضعف المؤسسات الأمنية، بما وفر بيئة استغلتها جماعات مسلحة وشبكات جريمة منظمة في منطقة الساحل.

وهنا ينبغي تجنب التفسير السهل الذي يجعل ليبيا سببًا وحيدًا لانتشار الإرهاب في أفريقيا. الأزمة في الساحل أقدم وأوسع من ليبيا، وترتبط بالفقر وضعف الحكومات والصراعات المحلية والحدود المفتوحة وتنامي الجماعات المسلحة. لكن انهيار النظام الليبي أضاف إلى هذه البيئة مخزونًا ضخمًا من الأسلحة ومسارات جديدة للتهريب، وساهم في تعقيد المشهد الأمني الممتد من جنوب ليبيا إلى النيجر وتشاد ومالي والسودان.

وتزداد أهمية الجنوب الليبي اليوم لأن المنطقة لم تعد هامشًا جغرافيًا بالنسبة إلى الأمن الإقليمي. إنها نقطة اتصال بين المتوسط والساحل، وبين طرق الهجرة والتهريب وشبكات الجريمة والتنظيمات المسلحة. وفي ظل الاضطرابات المستمرة في الساحل وتصاعد الحضور الروسي هناك، فإن استمرار الفراغ الأمني في جنوب ليبيا يمكن أن يحول الحدود الصحراوية إلى مساحة يصعب على أي حكومة السيطرة عليها.

وفي الوقت نفسه، تدفع ليبيا ثمنًا إنسانيًا لهذه الفوضى. فقد قدرت المنظمة الدولية للهجرة وجود نحو 943 ألف مهاجر في ليبيا خلال آذار (مارس) ونيسان (أبريل) 2026، معظمهم في الغرب والشرق، فيما تستمر البلاد في استقبال أعداد كبيرة من السودانيين الفارين من الحرب في السودان. وهكذا أصبحت ليبيا في آن واحد بلد عبور ومقصد ومجالًا لأزمات إنسانية تتجاوز حدودها.

لهذا كله، فإن اتفاق "4+4" ليس نهاية الأزمة الليبية، وإنما ربما يكون الاختبار الأكثر جدية منذ سنوات لإمكانية الخروج منها. نجاحه لن يُقاس فقط بإجراء انتخابات في غضون عامين، بل بقدرة الليبيين والقوى التي تؤثر فيهم على بناء مؤسسات تستطيع احتكار القرار الأمني، وإدارة النفط والمال بصورة موحدة، وقبول نتائج الصندوق.

ليبيا اليوم ليست أمام خيار بين حفتر وطرابلس فحسب، بل أمام خيار أكبر بين استمرار نظام مراكز النفوذ المتنافسة وبين بناء حكومة موحدة تستمد شرعيتها من انتخابات حقيقية. وإذا نجح المسار الجديد، فقد تتحول ليبيا من مصدر دائم لعدم الاستقرار في المتوسط والساحل إلى دولة قادرة على إدارة ثروتها وحدودها ومؤسساتها. أما إذا فشل، فقد تكون مهلة الـ24 شهرًا مجرد موعد جديد يضاف إلى قائمة المواعيد التي سبقتها ولم تصل ليبيا عندها إلى صناديق الاقتراع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.