: آخر تحديث

مدّعو القلم وصنّاع الوهم

1
1
1

ليست المشكلة أن يدخل إلى الصحافة من لا يملك أدواتها كاملة، فالأبواب، في الأصل، مفتوحة للتعلّم، والتجربة حق للجميع، والمهنة نفسها لا تولد كاملة في يد أحد. كثيرون بدأوا متعثّرين، ثم صقلتهم القراءة، وعلّمتهم الممارسة، وهذّبتهم الأخطاء. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول الجهل إلى ادّعاء، والفراغ إلى صخب، والعجز إلى سلطة وهمية يُمارسها صاحبها على الآخرين، وكأن رفع الصوت يمكن أن يعوّض ما يُنقص العقل والتجربة.

هناك من لا يستطيع بناء فقرة سليمة، ولا يميّز بين الخبر والرأي، ولا يعرف كيف يضع مقدمة لمادة أو كيف ينهي فكرة، ولا يمتلك من اللغة ما يسعفه في التعبير عن أبسط ما يريد، ومع ذلك يخرج على الناس بوجه "الصحفي"، ويتقمّص هيئة "المثقّف"، ويتصرف كأنه صاحب سلطة تمنحه الحق في توزيع شهادات الكفاءة على الناس، فيرفع هذا، ويطعن ذاك، ويصنّف الآخرين وفق مزاجه ومصالحه، وكأن الصحافة أصبحت رخصة تُمنح بالصوت العالي، لا بالمعرفة والتجربة والموهبة.

وهؤلاء، أكثر من غيرهم، يحتاجون إلى الوقوف طويلًا أمام المرآة.

فمن المؤلم أن ترى شخصًا تُكتب له منشوراته، وتُجمع له الأخبار، وتُهيأ له المواد، وربّما يُصاغ له حتى ما يقوله في المجالس، ثم يظهر أمام الناس مزهوًا، كأنه صاحب الإنجاز من أوّله إلى آخره. وربّما لم تكن هذه وحدها المشكلة، فالاستعانة بالآخرين ليست عيبًا إذا اعترف الإنسان بحدوده، لكن العيب يبدأ عندما يسرق المرء جهد غيره، ثم يتحول بعد ذلك إلى قاضٍ يُحاكم أصحاب الأقلام الحقيقية ويطعن بخبراتهم، ويقلل من قدراتهم، ويحاول إسقاطهم ليبدو أطول مما هو عليه.

وهنا لا نكون أمام مشكلة مهنية فقط، بل أمام حالة نفسية أيضًا.

إنها عقدة النقص حين ترتدي ربطة عنق ثقافية، وتجلس خلف مكتب، وتحاول أن تقنع الآخرين بأنها ثقة.

فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى هدم الناس كي يثبت وجوده. وصاحب التجربة لا يخاف من تجربة الآخرين، والمثقف الحقيقي لا يضيق بالمبدعين، بل يفرح بهم، لأن حضورهم لا يهدّد قيمته. أما من يشعر في أعماقه بأنه أقل مما يدّعي، فإنه يعيش في قلق دائم من انكشاف صورته، فيراقب الآخرين، ويحاول التقليل منهم، لأن نجاحهم يُذكّره بما ينقصه.

ولذلك نرى بعض المدّعين يكثرون من النميمة والتشكيك والطعن في الناس من خلف الشاشات. يتحدّث أحدهم عن النزاهة وهو يعيش على المجاملة، ويهاجم التملّق بينما يحفظ أسماء أصحاب النفوذ واحدًا واحدًا، ويعرف كيف يغيّر نبرة صوته بحسب الشخص الجالس أمامه. يرفع شعار الكرامة في العلن، ثم يطرق أبواب المصالح في الخفاء، ويتحدث عن المبادئ، فيما مبادئه مطاطة، تتسع لكل منفعة، وتضيق أمام كل صاحب حق.

ومثل هؤلاء لا يبحثون، في الغالب، عن الصحافة لذاتها. هم يبحثون عن الوجاهة الاجتماعية. عن لقب يسبق الاسم، وعن صورة في مناسبة، وعن مقعد في الصف الأول، وعن فرصة لأن يقال: "الأستاذ الصحفي"، حتى لو كان "الأستاذ" عاجزًا عن كتابة عنوان واضح من دون من يساعده، أو أن يكون قادرًا على "فكّ الخط".

وفي مجتمعاتنا، للأسف، قد تساعد الظروف على صناعة هذه النماذج. فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تمنح أي شخص منبرًا واسعًا، وأصبح عدد المتابعين عند البعض بديلًا عن القيمة، وكثرة المنشورات بديلًا عن المعرفة، والصورة مع مسؤول أو شخصية عامة شهادةً مزيّفة على المكانة. وهكذا ينشأ وهم اجتماعي كامل، مدّعٍ يحتاج إلى جمهور، وجمهور يصدّق الصورة، ومجاملون يصنعون الهالة، حتى يكاد صاحب الوهم نفسه يصدق الحكاية التي اختلقها عن ذاته.

وبعضهم لا يتوقف عند الوجاهة، بل يريد أن يحوّل هذه الصورة إلى باب للمنافع. يستخدم لقب الصحفي في العلاقات، وفي الاقتراب من أصحاب القرار، وربّما في ممارسة نوع من الابتزاز المعنوي أو الاجتماعي. وحين يشعر أن هناك من يعرف حقيقته، يبدأ الهجوم. لأن أكثر ما يخيف المدّعي ليس خصمه، بل الإنسان الذي يعرف حجمه الحقيقي.

فالمدّعي قد يتحمّل الشتيمة، لكنه لا يتحمّل المرآة. والصحافة ليست زينة اجتماعية، وليست غطاءً للنقص، وليست منصة لتصفية الحسابات. إنها مهنة تقوم على المعرفة والمسؤولية والشرف المهني، وعلى احترام الحقيقة قبل احترام الذات. ومن لا يمتلك هذه القيم لا تمنحه صفحة على فيسبوك صفة الصحفي، ولا تمنحه كثرة المنشورات صفة الكاتب، ولا تمنحه العلاقات صفة المثقف.

قد ينجح المدّعي في خداع بعض الناس زمنًا، وقد يجمع حوله المصفقين، وقد يظهر في الصور والمناسبات، لكن الزمن عدو الأقنعة. فاللغة تفضح صاحبها، والمواقف تكشف معدنه، والسنوات تعرّي كل صورة مستعارة.

وفي النهاية، لا يحفظ التاريخ حجم الضجيج، بل حجم الأثر. أما الذين ترتفع أصواتهم فوق أحجامهم، فلا يعني أنهم كبار، فبعض البراميل لا يُسمع صوتها إلا لأنها فارغة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.