أخطر ما يواجه طهران اليوم ليس غارة جديدة ولا صاروخاً أشد دقة، بل اللحظة التي يفقد فيها المواطن الإيراني ثقته بأن "الريال" يصلح لحفظ تعبه ومدخراته، عندها تنتقل المعركة من الموانئ وخطوط النار إلى المتجر والصيدلية وسوق الصرف، فالعملة ليست مجرد وسيلة للدفع، بل إحدى أدوات سيادة الدولة وثقة المجتمع بها، وإذا انهارت هذه الثقة تصبح السيادة النقدية نفسها موضع اختبار.
القيادة الإيرانية تدرك حجم الخطر، والرئيس مسعود بزشكيان أقر بتفاقم المشكلات مع تراجع الإيرادات وانخفاض مبيعات النفط وتضرر الشركات وارتفاع كلفة التجارة بسبب الحرب، وفي يوليو 2026 بلغ التضخم السنوي 66 في المئة، وقفزت أسعار الغذاء 128 في المئة.
ويظهر القلق بصورة أوضح في تصريحات محمد باقر قاليباف في بغداد، حيث ربط رئيس البرلمان الإيراني التنمية الاقتصادية بالأمن، وتحدث عن "حرب اقتصادية ومعرفية"، ودعا إلى توسيع استخدام الريال الإيراني والدينار العراقي وتقليل الاعتماد على الدولار، ولا يبدو اختيار الدينار العراقي عابراً، فالعراق يمثل الساحة الأقرب والأكثر جاهزية لهذا الحساب، وتربط البلدين شبكة واسعة من التجارة والطاقة والمدفوعات.
ومن منظور استراتيجي، لا أرى الدفع بالريال والدينار مجرد ترتيب تجاري لتسهيل المبادلات، بل محاولة إيرانية لفتح مسار التفاف جديد على الخنق المالي وتقليل تعرض تجارتها لنقاط السيطرة المرتبطة بالدولار، فحين تضيق واشنطن على المصارف والتحويلات والعملات الصعبة، يصبح من الطبيعي أن تبحث طهران عن فضاء مالي قريب تستطيع داخله تسوية جزء من تجارتها عبر قنوات أقل اعتماداً على الدولار.
لكن المخرج الإيراني قد يتحول إلى مخاطرة استراتيجية على العراق، فبغداد لا تتعامل مع الدولار كعملة أجنبية عادية، بل كعصب لنظام مالي يرتبط بعائداتها النفطية وحسابات البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفدرالي، فيما يخضع القطاع المصرفي لتدقيق مشدد بسبب ملفات تهريب الدولار وغسل الأموال، وإذا رأت واشنطن أن مصارف أو شركات عراقية أو ترتيبات الريال والدينار أصبحت تساعد طهران على تخفيف أثر العقوبات، فقد يمتد الرد إلى تقييد مؤسسات عراقية في تعاملها بالدولار وتشديد الوصول إلى التحويلات الخارجية.
قاليباف قال أيضاً إن القوة العسكرية لا تكفي إذا جاع الناس وغابت الحركة المالية والنمو والإنتاج، وهذا اعتراف بأن الخطر لم يعد خارجياً فقط، فالسلاح لا يخفض سعر الخبز، ولا يعالج ضعف الراتب، ولا يعيد الثقة إلى عملة يتخلى عنها أصحابها، بهذه اللغة، يصبح الاقتصاد جزءاً من معركة الأمن القومي نفسها.
واشنطن بدورها لا تخفي الغاية السياسية من التصعيد المالي، وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت وصف المرحلة بأنها "يوم إنزال اقتصادي"، وتحدث عن "أكبر هجوم مالي جرى حشده ضد خصم"، ثم قال إن الحملة ستنجح في إيران وإن النظام سينهار، وأهمية هذا الكلام لا تكمن في عدد الشركات والوسطاء المستهدفين، بل في ما يحدث عندما يصل الضغط على عائدات النفط والعملات الصعبة إلى الريال نفسه.
وحين يتحول الهروب من الريال إلى الدولار والذهب من سلوك ادخاري إلى سلوك تجاري، تتغير طبيعة الأزمة، فالدولة لا تخسر جزءاً من قيمة عملتها فقط، بل تبدأ بفقدان قدرتها على إبقاء المعاملات اليومية داخل نظامها النقدي.
فنزويلا تقدم مثالا وإنذاراً لا ينبغي تجاهله، فعملتها "البوليفار" لم يختف بقرار واحد، لكنه فقد وظيفته بالتدريج، حيث عجز عن حفظ القيمة، وأصبح التسعير به أكثر صعوبة، واتسع استخدام الدولار في الادخار والتجارة، ثم بنى المجتمع نظاماً نقدياً موازياً من دون انتظار قرار رسمي، ولم تقف الكلفة عند العملة؛ فبحلول نهاية 2024 تجاوز عدد اللاجئين والمهاجرين الفنزويليين 7.9 ملايين، منهم 6.7 ملايين في أميركا اللاتينية والكاريبي، بلا شك، لم تكن العملة وحدها سبب الرحيل، لكنها كانت جزءاً من انهيار أعمق في الثقة بالمستقبل.
بالتأكيد، إيران ليست فنزويلا، وسقوط الريال لا يعني تلقائياً سقوط النظام الإيراني، ولكنه راكم خبرة طويلة في امتصاص العقوبات وإعادة توزيع الألم وحماية المؤسسات الضرورية لبقائه، وهذه خبرة تمنحه هامشاً حقيقياً للصمود، لكنها ليست مناعة مطلقة، فكلما نقل النظام كلفة الحصار والحرب إلى المواطن، اقترب من المنطقة التي تتحول فيها أزمة المعيشة إلى أزمة ثقة وغضب، ثم إلى ملف أمني داخلي لا تستوعبه القبضة الأمنية بسهولة.
المأزق أن الضغوط لا تأتي منفصلة، فهناك حرب ممتدة، وبنية تحتية متضررة، وإيرادات أضعف، وتضخم مرتفع، وعملة هشة، وكلفة متزايدة للدفاع وإعادة البناء، وكل هذه الضغوط تتغذى من بعضها، وقد تنجح السلطة الإيرانية في تأجيل الانفجار عبر تحميل المجتمع مزيداً من الكلفة، لكنها لا تستطيع إلغاء أثرها، وحين يشعر الإيراني بأن الدولة تطلب منه تمويل بقائها من غذائه ودوائه ومدخراته، يتحول الضيق الاقتصادي إلى سؤال سياسي عن المستقبل.
لهذا لا تخشى طهران ارتفاع الدولار لذاته، بل تخشى أن يتحول ضعف الريال إلى سلوك جماعي لا تستطيع الدولة ضبطه، وأن تصبح حماية المدخرات والأسعار والمعاملات مرتبطة بمرجع نقدي آخر، عند تلك النقطة لا تكون الدولة قد خسرت قيمة عملتها فقط، بل جزءاً من قدرتها على إدارة المجال الاقتصادي الذي تحكمه.
ومن هنا يُفهم اندفاع طهران نحو الدينار العراقي ومسارات التسوية البديلة، إنها ليست حلولاً اقتصادية مريحة، بل خطوط دفاع لمنع الضغط الخارجي من التحول إلى أزمة نقدية داخلية، وفي تقديري، تكشف هذه التحركات أن القيادة الإيرانية لا تخشى نقص الدولار فقط، بل تخشى اللحظة التي يتحول فيها ضعف الريال إلى أزمة ثقة لا تستطيع أجهزة الأمن احتواءها.
بلا شك، تستطيع طهران أن ترد بالصواريخ، وأن توسع شبكات الالتفاف، وأن تشدد قبضتها في الشارع، لكنها لا تستطيع إجبار المواطن الإيراني على الثقة بعملة فقدت قدرتها على حمايته، فإذا صار الدولار والذهب ملاذين، فلن تتوقف المعركة عند شاشات الصرف، بل ستدخل الأسواق والبيوت ثم الشارع، عندها تصبح الحرب على الريال معركة على قدرة النظام الإيراني على البقاء.

