لا أدري إن كان هناك شاعر في لغةٍ أخرى نال من الاستدعاء ما ناله المتنبي، حتى ليبدو أن ألف عام لم تكن كافية ليصبح ماضيًا، وأن الموت الذي استطاع أن يأخذ جسده أخفق تمامًا في إقناع شعره بالغياب، فما زال المتنبي حاضرًا بيننا بما هو أكثر من الشعر، وأشهى من الفلسفة، وأصدق من التذكّر، وأكذب من الحقيقة، حيث ذلك الكذب الجميل الذي لا يزوّر الحياة، حين يعيد اختراعها على مقاس ما نتمنى أن تكونه.. فالمتنبي ليس شاعرًا نقرأه بقدر ما هو شاعر نلجأ إليه، امتطاه الوعّاظ إلى منابرهم، واستعاره السياسيون حين ضاقت العبارة عن مواقفهم، وادّعاه المثقفون كلما أعيتهم الحكمة، وتمثّله الفرسان حتى ماتوا وبقي هو يصف شجاعتهم بعدهم، أما المتعبون فقد وجدوا في كبريائه ثوبًا فضفاضًا يخفون تحته انكساراتهم، وكأن الرجل لم يكتب حياته وحدها، وإنما ترك في قصائده غرفًا سرية لأوجاع الذين سيأتون بعده، إنه أصدق من كذب، إذا تذكّرنا أن الشعر كذبٌ لا يقصد تضليل الحقيقة، وإنما إنقاذها من فقر الواقع، وأعزّ من بكى في أمة بدأ ت صوتها الشعري بالوقوف على الأطلال بكاء ، حتى أصبح جزءًا من ذاكرتنا الجمالية! غير أن المتنبي حين بكى لم يسقط من عليائه، كان يجعل من الدمع شكلًا آخر للكبرياء، ومن الهزيمة فرصة نادرة لامتحان كرامة الإنسان..ولعل أعجب ما في المتنبي وأكثره دهشةً أنه يتّسع كثيرا لتناقضاتنا، فنحن نستدعيه من مجلس سيف الدولة، حيث المجد والفروسية والصداقة التي انتهت إلى جرح، ثم نتبعه إلى كافور الإخشيدي فنصطدم بذلك الوجه الذي نحاول، وفق أخلاق عصرنا، أو ما ندّعيه فيه أن نتبرأ منه، حيث نتثاقف في إدانة عنصريته، وهذا حق، ثم يفاجئنا عنصريّ صغير يسكن في أقصى هواجسنا فيبتسم سرًّا لبعض هجائه؛ فنكتشف أن المشكلة لم تكن في المتنبي وحده، وإنما في مسافة طويلة قطعتها القوانين ولم تقطعها النفس البشرية بالقدر نفسه.!
لهذا يبدو المتنبي بيننا شاعرًا ننادي عليه فيحضر بزيّه الوحيد، زاهدًا حينًا، مختالًا في أحايين كثيرة، حكيمًا إذا احتجنا الحكمة، عاشقًا إذا خانتنا العبارة، واعظًا إذا ضاقت بنا الدنيا، وفارسًا إذا احتجنا إلى شجاعة لم نجدها في أنفسنا..حتى موته أراد له الرواة أن يكون قصيدة أخيرة، وأن يقتله بيت قاله، كأنَّ الرجل الذي عاش بالشعر لم يكن يليق به أن يموت خارجه، ولذلك لم يكن وصفه بأنه «مالئ الدنيا وشاغل الناس» مبالغةً في رجل، بقدر ما كان نبوءةً في الزمن؛ فالمتنبي لم يملأ دنيا الذين عرفوه وحسب، وإنما ظل يملأ دنيانا نحن أيضًا، وربما سيظل يفعل ذلك ما دامت للإنسان هزيمة يحتاج عندها إلى عزاء، ونصر يحتاج معه إلى كبرياء، وحياة تعجز أحيانًا عن تفسير نفسها، فتستعين ببيت شعر.

