لا يبقى إلا وجهه ذو الجلال والإكرام. هذه هي القاعدة التي يسير عليها الكون بأسره.هذا يقودنا إلى طرح مسألة نهاية السوشيال ميديا. متى سوف تختفي هذه التطبيقات التي تتحكّم في حياة الناس. سؤال كهذا سيتبعه سؤال آخر: ما هو البديل؟ ما هو الشيء الذي سيحل محلها، فالسوشيال ميديا أصبحت كالغذاء والهواء بالنسبة للبشر لو اقتلعتها من جوالك سيعود جوالك إلى أيام نوكيا (كاميرا وتليفون ورسائل). يتذكّر ذلك من عاش ذلك الزمن. لا أحد حسب ظني حلم بالسوشيال ميديا أو توقعها رغم حضور حاضنتها (الإنترنت). حتى نوكيا الشركة العملاقة التي سيطرت على سوق صناعة الجوالات عقوداً من الزمن سقطت نتيجة فشلها في أن ترى ما كان يقف على عتبة بابها. أما سؤالنا ما الذي سيحل محل السوشيال ميديا أو يأتي بعدها فلا يعدو أن يكون سؤالاً غير منطقي.في الثمانينيات من القرن الماضي بدأت جريدة الشرق الأوسط تطبع عبر الأقمار الصناعية. كان هذا حدثاً تقنياً عظيماً. أصبحت الجريدة تطبع في جدة ولندن في نفس الوقت. ظهرت بعد هذا الحدث التقني كثير من التوقعات. أقام الناس توقعاتهم على هذا الفتح المبين. من أهم التوقعات التي أثارتها هذه التقنية أن كل منزل سوف يركّب جهازاً شبيهاً بجهاز الصراف الآلي، يربط بالأقمار الصناعية ويعبأ بالورق كل فترة، وكل صباح يطبع لك هذا الجهاز الجريدة أو الجرائد التي تشترك فيها. قيل لنا إن اليابان بدأت بالفعل تطوير هذا الجهاز، بيد أن تطور التكنولوجيا أخذ منعطفاً آخر خارج كل التخيّلات وأدى أخيراً إلى انسحاب جوهر التوقعات نفسها: الورق.هنا لا أتحدث عن ظهور عملاق تقني جديد بل عن اختفاء أهم عمالقة الاتصال التي غيّرت وجه العالم. في كل الأزمنة الماضية لم يتوقع الإنسان أن يظهر أعظم اختراع بشري. تلك هي تقنية الإنترنت التي التهمت الراديو والتلفزيون والسينما والجرائد والتجارة والتعليم والطب والعلاقات الإنسانية، وما السوشيال ميديا إلا واحدة من تجليات هذا الاختراع العظيم.اليوم نشهد بروز عملاق تقني جديد: الذكاء الاصطناعي. حضور هذا العملاق التقني الجديد وبالتآخي مع السوشيال ميديا سيسهّل على جميع الناس الإسهام في خلق عالم مختلف ولكن هذا التوسع بالضبط هو ما أرى أنه سوف يكون سبباً في انتهاء السوشيال ميديا.اليوم وأنت تستخدم إكس أنت في الواقع تقع تحت طائلة قانونين: السعودي والأمريكي. ما يجيزه الأمريكي ليس بالضرورة يجيزه السعودي والعكس صحيح.مع تطور الذكاء الاصطناعي السريع وتطور سهولة استخدامه لن نرى معرفة متقدّمة فقط بل سوف يتعاظم الزيف. سنصبح في يوم قريب نعيش في عالم مشكوك في حقيقته.لا يمكن للسلطات في كل البلاد أن تبقى متفرجة. سوف تتطور الرقابات الرسمية على السوشيال ميديا. فالباب لن يستمر مفتوحاً لكل من هب ودب. وللحقيقة أول مرة أستخدم كلمة من هب ودب بدقة متناهية وليس مجرد مبالغة أو مجاز، فهؤلاء (من هب ودب) بعضهم محترم وبعضهم من أراذل الخلق وبعضهم ذوو أغراض محددة. كل هذه الفئات تنشد التأثير على الآخرين إما لدوافع ثقافية أو من أجل المال أو التأثير السياسي أو الأيديولوجي. لا نخطئ عندما نقول إن كل مخابرات العالم موجودة على السوشيال ميديا. في أي معركة تدور رحاها في إكس مثلاً ونتأثر بها لن ندرك تماماً هل هي معنا أم ضدنا. عندما تشاهد شعبين يتشاتمان يجب أن تتأكد أن بينهم دولة ثالثة تستفيد من هذا وتغذيه.قريباً سوف تصبح السوشيال ميديا عالماً من الفوضى. تعمل على تحطيم القيم وانهيار المعارف الراسخة. لن تعرف أن هذه المعلومة التي تقرأها حقيقية أم مزيّفة. لن تعرف أن هذه القناة التي تطالعها هي القناة العربية الحقيقية أم مزيّفة. لن تعرف أن هذه الصحيفة التي تقرأها هي «عكاظ» الحقيقية أم المزيّفة. كلما ازداد الذكاء الاصطناعي سهولة ودقة زادت الفوضى وزاد المستفيدون منه بأهدافهم المختلفة والمتشعبة.بدأ تدخل السلطات ولكن هذا التدخل تنظيمي وقانوني فقط، لا يفرض قوته إلا على الحسابات في حدود البلاد التي يسيطر عليها. الخطوة القادمة في تقديري سوف تطال الحسابات الخارجية أيضاً. سوف تتحكم الدول في إبقائها أو حذفها. وبالتالي سوف تنفصل السوشيال ميديا عن كونها عالمية. منصة إكس سبقت بخطوة، بأن صارت تعطيك معلومة عن مصدر هذا الحساب أو ذاك ولكن هذا لا يكفي لصيانة أمن الدول من الفوضى والاختراقات. كل دولة سوف تفصل نفسها عن هذا الاختلاط العالمي. سوف يأتي اليوم أن تملك كل دولة القدرة على التعرّف على ما يصدر في داخلها عمّا يأتي من خارجها وتحجبه وباستخدام الذكاء الاصطناعي نفسه مسبّب هذه الفوضى. فيصبح كل ما تقرأه وتطالعه منتجاً محلياً سواء جاء باسم صريح أو باسم مستعار فتتحول السوشيال ميديا إلى منبر داخلي كما كانت الصحف ووسائل الإعلام السابقة عندئذ سوف تفقد السوشيال ميديا أهم ميزاتها: الفضاء العالمي. وهذا سيؤدي إلى نهايتها.تتساءل الآن ما الذي سوف يحل محل السوشيال ميديا، أجيبك بما أجاب به مؤسس أبل (ستيف جوب): إذا كنت تعرف المستقبل هاته الآن ماذا تنتظر.
نهاية السوشيال ميديا
مواضيع ذات صلة

