ذهب فكري إلى أفلاطون، ملهم الفلسفة الغربية، وأنا أصغي إلى هذا الحوار السياسي المعمّق، بين صديقين لبنانيين مثقفين، في مقهى على ضفّة نهر السين. ليس للمنحى الفلسفي الذي اتخذه كلامهما، الذي بقي في إطاره السياسي - الفكري البحت، بل للأهمية القصوى التي يوليها أفلاطون للحوار كوسيلة لتفاعل الأفكار المتناقضة، على أمل الوصول إلى الحقيقة. مع ذلك، لم ينتج عن الحوار الباريسي الطويل أيّ التقاء، إذ بقيت الرؤيتان متباعدتين بالكامل. إنما أهميته تكمن في كشفه صراع الأفكار والمشاعر حول الأوطان والعالم، في هذه المرحلة التاريخية الشديدة الاضطراب، وفي تبيانه مدى اختلاف الرؤى باختلاف أوضاع الأفراد وتباعد أولوياتهم. فأحد المحاورين مقيم في فرنسا منذ أربعين عاماً، أما الآخر فعابر سبيل في مدينة السين. ومع أن الأوّل يؤكد اهتمامه بـ«بلاد الأرز»، فمنطق كلامه يُظهِر بوضوح أن أولويته هي الوضع الفرنسي. أمّا الثاني فأولويته المطلقة هي الدفاع عن الفكرة اللبنانية وسط أعاصير المرحلة. ورغم أنّ الخوض في هذا الحوار يتطلّب مجلّداً كاملاً، فسأحاول اختصاره على النحو التالي...
اللافت في المحاور الذي أولويته الحالة الفرنسية أنه يتبنّى منطق الاتجاه الليبرالي الأممي (ما يُعرف باليسار) بحرفيته. فمحور كلامه هو الهجوم الشامل على الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتوجيه أشد الانتقاد لقراراته ومقولاته وطريقته في التعبير، خصوصاً الحرب التي شنّها على إيران، والتي «أغرقت العالم في أزمة كبرى لا أحد يدرك كيف ستنتهي»، وأن فرنسا وأوروبا تدفعان أثماناً باهظة من جرّائها. ومن الواضح أن هذا المحاور يتعاطف ضمناً مع إيران، وإن كان لا يبوح صراحةً بذلك، شأنه شأن اليسار الفرنسي والأوروبي. وهو يراهن ضمناً على إيران لإطالة أمد الحرب لتوريط ترمب وإدارته أكثر فأكثر، على أمل سقوط الاتجاه الجمهوري القومي المتشدد في الولايات المتحدة وعودة الحزب الديمقراطي الأوبامي (نسبة لأوباما) إلى الحكم. فانهيار إيران في هذه الحرب يعني تقوية التيار القومي المتشدّد في فرنسا وأوروبا (ما يُعرف باليمين المتطرّف) واحتمال وصوله إلى الحكم في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في مايو (أيار) المقبل، وفي معارك انتخابية مقبلة في «القارّة القديمة». ما يشكّل في نظره «خطراً داهماً وكارثة كبرى على حاضر أوروبا ومستقبلها».
أمّا المحاور الثاني الذي أولويته المسألة اللبنانية، فينظر إلى الوضع الشرق أوسطي والأوروبي والدولي من نافذة المشروع اللبناني وما يحيط به من مخاطر. فهو يعتبر أن الخطر الأكبر الذي يهدّد لبنان التعدّدية والحرية والثقافة ونوعية الحياة والانفتاح على الحداثة، هو إيران الثورة الإسلامية الخمينية الموجودة كدولة مسلّحة رديفة داخل جغرافية «لبنان الكبير»، وأن معركة الفكرة اللبنانية الوجودية هي مع إيران الوليّ الفقيه. ويعتبر أن كل ما يضعف إيران ودولتها في لبنان، يصبّ في مصلحة المشروع اللبناني. وكلّ ما يهمّه من شخص الرئيس ترمب وإدارته هو الإرادة والقدرة على إضعاف إيران. مع أن الحركة اللبنانية لا إمكانية لها قطّ على التأثير في «الورقة الأميركية» في أي اتجاه. ويلفت هذا المحاور النظر إلى انسحاب إسرائيل من لبنان «من دون قيد أو شرط» عام 2000، ومطالبتها بالعودة إلى اتفاقية هدنة 1949، ما كان يلائم تماماً المصلحة اللبنانية. لكن المحور الإيراني، المتحالف آنذاك مع النظام السوري الأسدي، رفض تلك المعادلة وأجهضها لصالح استغلاله الانسحاب الإسرائيلي لتعزيز حضوره واحتلاله جنوب لبنان. ما أجّج الأوضاع من جديد، وأوصل إلى الحرب المدمّرة الراهنة. ويشير هذا المحاور بأسى إلى أن لا اهتمام حقيقياً بمستقبل الفكرة اللبنانية لدى قوى اليسار الفرنسي فحسب، بل لدى قوى الوسط المحافظ الحاكم أيضاً، الذي يهمّه بالدرجة الأولى استمرار التوازن مع العامل الإيراني في لبنان لإتاحة اللعب على التناقضات وتحقيق المصالح، وإبقاء الفكرة اللبنانية معلّقة حيث هي، وأن اليسار الفرنسي الذي يهتمّ بالقضية الفلسطينية لا يولي شأناً يُذكَر للمسألة اللبنانية. وما يهمّ هذا المحاور فعلاً في المعارك الانتخابية الفرنسية والأوروبية المقبلة هو مدى التزام أطرافها بمؤازرة الفكرة اللبنانية في «بحر العواصف المحيط بها، وفي المخاطر الوجودية التي تهدّدها». وهو المعيار الوحيد الذي ينظر منه إلى ما يجري، والذي يحدّد عبره موقفه من التيارات الأوروبية المتصارعة على السلطة، بصرف النظر عن هويّاتها. فمسألته واحدة، وأولويته واحدة، وكلّ ما عدا ذلك ثانويّ لديه.
بقيت الهوة عميقة لا تُردَم بين المتحاورين، وكلّ منهما مستغرب بشدّة موقف الآخر!

