كلما سافرتُ إلى العراق وكان الترانزيت في إسطنبول، يتملكني حزنٌ صامت، فهذه المدينة تحولت إلى ما يشبه المستشفى التجميلي الكبير. محزنٌ جدًا ما أراه: خدودٌ وشفاهٌ منتفخة بلا داعٍ، وأجسادٌ رشيقة شُوِّهت بتكبيرٍ غير متناسق. تماثيل متشابهة تُساق نحو قالب واحد.
سيدتي المرأة العراقية والعربية…
أعلم أن كلامي هذا قد يبدو صادمًا أو صريحًا فوق العادة، لكنني أقوله من باب التقدير العميق لكِ، ومن رغبة حقيقية في أن تظهري بحريتكِ، متحررة من قيود وهمية باتت أقسى من قيود الحديد.
إنَّ صناعة "الأنوثة المعملية" والترويج لعمليات التجميل، من نفخ وشدّ وبوتوكس، لم تترك من إشراقتكِ وعفويتكِ شيئًا. أين الأنوثة الطبيعية؟ أين البساطة التي تخطف القلوب؟ حقيقة الأمر أن هذا التغيير القسري يقتل الجاذبية، ليحول المرأة إلى عروس شمعية صُنعت وفقًا لفكر القطيع. ندر جدًا أن نرى اليوم امرأة تدخل المكان بثقة، وتتصرف على سجيتها، وكأن لسان حالها يقول بثبات: "أحببني كما أنا، أو اتركني كما أنا".
والسبب الحقيقي وراء هذا التغيير القسري هو وسائل التواصل الاجتماعي، من تيك توك وإنستغرام وغيرها. لقد تحولت هذه المنصات إلى "جحيم للمقارنة"، وأدوات تفترس تقييم المرأة لذاتها.
خلقنا أجيالًا من النساء يفعلن كل شيء، ويبقى لديهن الشعور الدائم: "لست جميلة أو جذابة بما فيه الكفاية".
بنت القرية صاحبة الجمال الصافي المقترن بالطبيعة باتت تقارن نفسها بنجمات العالم، ونساءٌ من مختلف الأطياف يجلسن بالساعات خلف الشاشات لتقليد المكياج والمستحضرات، ظنًا منهن أن هذا يمنح الوعاء الخارجي حسنًا، أو يجلب الرضا عن النفس.
لكن الحقيقة المرة هي التالي: يمكنكِ شراء أغلى مستحضرات العالم، وضخ البوتوكس ونفخ كل إنش في جسدكِ، لكن ذلك لن يغير الصورة التي تحملينها عن نفسكِ من الداخل. نقص الثقة بالنفس هو جرح في الروح، ولا يوجد مكياج في العالم قادر على تغطيته أو علاجه.
هنا تكمن الفخاخ: صور رائعة، واجهة براقة، وقناعة داخلية تساوي الصفر! والمقارنة المستمرة تغذي الفزع من نظرة الناس، وتحطم هدوء النفس، ليبقى السؤال الحارق يُلاحقكِ: "هل أنا مقنعة بما يكفي؟"
وكلما زاد التركيز على المظهر الخارجي وتعديله بالفلاتر والعمليات، كلما تزعزعت الثقة، وكلما اغتربتِ أكثر عن الوجه الحقيقي الذي ترينه في المرآة.
وكلما زاد التركيز على المظهر الخارجي وتعديله بالفلاتر والعمليات، كلما تزعزعت الثقة، وكلما اغتربتِ أكثر عن الوجه الحقيقي الذي ترينه أمامك في المرآة.
مهما زاد عدد المعجبين والمتابعين على الشاشات، لن تستعيدي عافيتكِ النفسية حتى تتقبلي فكرة بسيطة: لن يحبكِ الجميع، تمامًا كما أنكِ لا تحبين الجميع!
الانعتاق يبدأ عندما تتوقفين عن الدوران في هذه الحلقة المغلقة، ركضٌ مستمر في المكان لا يوصلكِ لشيء. الجاذبية ليست إجماعًا من الناس، بل هي شجاعة الوقوف بوجه الإعصار بوجهكِ الحقيقي.
مناشدة من القلب:
يا سيدتي.. يا سيدة هذا الشرق.
استعيدي ثقتكِ بنفسكِ، واخلعي عن روحكِ قبل وجهكِ هذه الأقنعة المستعارة. أنتِ لستِ بحاجة لتصريح من شاشة، ولا لإذن من مجتمع تجاري يقتات على إشعاراتكِ بالقصور.
انفضي عنك غبار المقارنات، وانظري إلى المرآة بعيني طفلةٍ لا تعرف الخوف. كوني أنتِ، بعفويتكِ، بتفاصيلكِ الفريدة، وحتى بعيوبكِ التي تجعلكِ إنسانًا بنسخته الخاصة، كبصمة إصبع لا تتكرر.
ما إن تبدئي التفكير بهذه الطريقة، حتى تشرقي من الداخل كشمس لا تملك الظلمة أمامها خيارًا سوى الانحسار. والأجمل في هذا كله، أن هذه الحرية لا تُشترى بالمال. ابدئي اليوم، ارفعي رأسكِ، وكوني امرأة طبيعية. فالطبيعة من خلال الشكل والسلوك تضمن لك سحرًا لا يزول.

