يُعرَف المخترع الأميركي صمويل كولت (1814 – 1862) بأنه أول من اخترع سلاح المُسدّس، وقد قام بتأسيس شركة كولت لصناعة الأسلحة، والتي تُدعى اليوم باسم شركة كولت للتصنيع. ويُنسب إلى كولت مقولة سار بها الركبان على امتداد الأجيال بعدما فرغ من اختراع المسدس، حيث قال: "الآن يتساوى القوي والجبان"، واليوم، وبعد التطور المذهل في تقنيات الاتصال المتسارعة وما تتميز به من متواليات هندسية هائلة وما نتج عنها من تطبيقات للذكاء الاصطناعي، هل يمكن القول بأنه الآن تساوى الموهوب وغير الموهوب؟! وليسمح لي القارئ الكريم بتضييق دائرة البحث والاكتفاء بنموذج الكتابة الصحفية، كونها تخصصي وشغفي، لأقول من وجهة نظري المتواضعة بأنه فعلًا قد تساوى الجميع إلى حد كبير، للأسف الشديد، وكل من مارس الكتابة الصحفية محترفًا أو هاويًا، قليل التجربة المهنية أو كثيرها، سيدرك معنى أجواء الطقوس التي تسبق الكتابة الصحفية، ويشاطرهم بلا شك جميع مبدعي الفكر شعرًا ونثرًا، وكيف أن هذه الطقوس ربما ستختفي للأبد مع الكتّاب الجدد من جيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث لا عناء ولا بحث مُضنٍ عن المعلومة في بطون الكتب وصدور الصفحات الرقمية.
يقول الأستاذ عبدالله العولقي في مقاله "طقوس الكتابة عند الكُتّاب والمبدعين" المنشور في جريدة الجزيرة السعودية في عددها 18663 الصادر في 15 حزيران (يونيو) 2024: "معظم الكتّاب والشعراء والروائيين لديهم طقوس معينة أثناء ممارسة العملية الإبداعية، بيد أن بعضهم لا يعترف بهذه الطقوس، فيكتب متى شاء وتحت أي ظروف". ثم أسهب الأستاذ عبدالله في ذكر نماذج من المبدعين وبعض طرقهم الغريبة للوصول لمرحلة الصفاء الذهني، لكنه قبل ذلك ذكر أن خامس حكّام مصر من الأسرة العلوية، الخديوي إسماعيل (1830 – 1895)، كان مهتمًا للغاية بالصحافة والصحفيين، فكان يأمر لمحرري صحيفة الوقائع المصرية الناطقة باسم الحكومة بالماء العذب والبُنّ العربي والقهوة التركية حتى يصفو مزاجهم أثناء الكتابة، بل كان يخصص لهم ساقيًا لتلبية هذه الاحتياجات عند طلبها.
نبدأ بفيلسوف فرنسا الأشهر فولتير، حيث كان لا يكتب إلا إذا وضع اثني عشر قلمًا من أقلام الرصاص أمامه، وبعد انتهائه من الكتابة يكسر هذه الأقلام، ثم يلفّها بالورق ويضعها تحت وسادته حين ينام! أما الروائي والقاصّ الفرنسي الشهير ألكسندر دوماس، فقد كانت له طريقة عجيبة في الكتابة، حيث كان يكتب رواياته على ورق أزرق بأقلام خاصة، ويكتب قصائده على ورق أصفر بأقلام خاصة، ويكتب مقالاته الصحفية على الورق الوردي، وكان يكتب مستندًا على ركبتيه ولم يستعمل المنضدة نهائيًا! أما عملاق الفكر العربي عباس محمود العقاد، فكان يكتب جالسًا إلى جوار المكتب، لأن مكتبه كان صغيرًا ولا يستطيع إدخال ساقيه تحته، وكان يكتب على صفحة في حجم كف اليد بخط صغير جدًا. يقول الأستاذ العولقي إن العقاد، في جزئية الخط الصغير، يتشابه مع توفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس وأحمد حسن الزيات ومحمد التابعي، أما أنيس منصور فقد كان يصحو في الساعة الرابعة فجرًا ويذهب إلى مكتبه للكتابة، ولا يكتب إلا وهو حافي القدمين ومرتديًا البيجامة، ولا يكتب في النهار أبدًا!
ويمضي العولقي في مقاله إلى أن يصل للأديب أحمد حسن الزيات، حيث قال بأنه كان رجلًا أنيقًا يرتدي كل ملابسه، ثم يكتب على ورق صغير، وكانت كل كلماته والحروف والنقط واضحة وجميلة، فيما كان الفيلسوف الأميركي بنيامين فرانكلين يكتب وهو على البانيو، أما أديب فرنسا جوستاف فلوبير فكان يضيء البيت والحديقة حتى يُخيّل للناس أنه يقيم وليمة، فيقفون ليروا السادة الضيوف الذين دعاهم فلا يجدوا أحدًا! أما المؤلف البوليسي جورج سيمثون، فكان يذهب إلى الطبيب ويُجري فحصًا عامًا، وبعد أن يطمئنه الطبيب على قلبه ومعدته وضغطه وتنفّسه، يعود إلى مكتبه، حيث يوجد سرير ومطبخ صغير، ويعلّق ورقة على بابه مكتوب فيها: "مشغول إلى نهاية الأسبوع"، وبعد نهاية الأسبوع يكون قد فرغ من إحدى رواياته التي بلغت 250 رواية!
وأختم مقالي بذكر طقوسي الشخصية المتواضعة عند كتابة المقالات، حيث لا بد أن يسبق الكتابة وجبة دسمة، وغالبًا تتكون من الطبق السعودي الشهير الجريش وسلطة الفتّوش وعصير البطيخ، وبعد الانتهاء من الوجبة أحتسي الشاي الأحمر متوسط الحلاوة بالنعناع، مصحوبًا – أحيانًا وليس دائمًا – بنفثات من السيجار الكوبي، ثم تأتي الأفكار تسابق بعضها مستعدة لكم لتتكرموا على كاتبها بقراءتها في هذه المساحة. مع إيماني الجازم بخطورة التدخين بشتى أنواعه وعواقبه الوخيمة على صحة الإنسان وجيبه في آن معًا، لذلك لستُ هنا بصدد الدعاية لنفثاتي الكوبية بقدر توصيف الحالة على علّاتها.


