: آخر تحديث

سجن العافية

0
0
0

في قلب الهوس المعاصر بالعافية الظاهرة، يتحول السعي الدؤوب نحو النقاء الغذائي، وحساب السعرات الدقيقة، وتكدس المكملات، وإجراء التحاليل المستمرة إلى فخ خفي يلتهم بهجة الوجود.

أصبح الاهتمام بالصحة وسيلة متوازنة للعيش بقوة وحيوية، وأمسى طقساً صارماً وقيداً نفسياً ثقيلاً يعزل الإنسان عن متعة الحياة الطبيعية وعفويتها، ليجد المرء نفسه رهينةً في سجن من الحسابات المعقدة والقيود الغذائية القاسية.

تكمن المفارقة الفلسفية هنا في انقلاب الغاية إلى وسيلة، حيث يفرغ الإنسان عمره في حراسة جسده من شبح المرض، فيقتله بالخوف منه قبل أن يصيبه، فالمرء حين يختزل كينونته في أرقام الميزان ويقيس طمأنينته بخلو وجبته من أي شوائب مصطنعة، تفوته اللحظات العفوية وتتلاشى متعة المشاركة الاجتماعية البسيطة، هكذا يتحول الشغف بالصحة إلى قلق مزمن ووسواس قهري مستتر، ليصبح الخوف من الهفوة الغذائية أشبه بالخطر المحدق، مما يورث الجسد إنهاكاً خفياً والعقل اضطراباً لا يهدأ.

وعلى الصعيد الطبي والنفسي، يؤدي هذا الاستغراق المفرط إلى حالة من التوتر العصبي المستمر التي تقوض المناعة وتُضعف مقاومة الكائن الحي؛ فالصحة الحقيقية لا تنفصل أبداً عن السلام النفسي والمرونة الذهنية.

إن العيش في ترقب دائم ومحاسبة قاسية لكل لقمة يترك أثراً مدمراً على هرمونات التوتر، ويجعل صاحبها غريباً حتى عن جسده الذي يحاول حمايته بحرمان قاسٍ ومبالغ فيه.

ومن منظور تحليلي أعمق، يُعد هذا الهوس الصحي انعكاساً لثقافة الرقابة المطلقة التي فرضها العصر الرقمي؛ إذ ينقل الإنسان سلطة التقييم الخارجي وتتبع المؤشرات من الشاشات إلى الداخل العضوي المباشر، فحين تتحول خوارزميات التتبع والتطبيقات الذكية إلى بوصلة داخلية تحدد قيمة اليوم وصلاحية الجسد، يفقد الإنسان حسه الحدسي الفطري الذي وهبه إياه الخالق لتنظيم رغباته واحتياجاته، تصبح الذات البشرية حينها مجرد "مشروع هندسي" خاضع للصيانة الدائمة، تفقد روحها التلقائية وتتحول إلى آلة معزولة تعاني من وحدة الوجود تحت غطاء مزيف من المثالية الصحية.

في أتون هذا التيه المعاصر، يغيب عن الأذهان أن التوازن هو جوهر العافية، وأن الأجساد البشرية صُممت لتمارس الحياة بمرونة ترفض بصرامة الجداول الصارمة. إن التحرر من أسر الوهم الصحي يتطلب شجاعة التصالح مع النقص البشري، والعودة إلى الطبيعة البسيطة في الغذاء والعيش دون مبالغات مرهقة؛ فالصحة الحقّة هي التي تمنح الإنسان طاقة للحياة لا قيداً يُعطله عنها، وتترك مساحة للروح لكي تبتسم وتتنفس بحرية بعيداً عن أثقال الهوس وقسوة المعايير المصطنعة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد