: آخر تحديث

مجمع الملك سلمان عمل يليق بالعربية

0
0
0

أكتب عن مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية وأنا أشعر أن الحديث عنه يختلف بالنسبة إليّ عن الحديث عن أي مؤسسة ثقافية أخرى، فقد قضيت جزءًا كبيرًا من عمري مع العربية، درستها وتخصصت في بلاغتها ونقدها، وعشت معها في التعليم والبحث والكتابة الصحفية، وكلما امتدت هذه الصحبة أدركت أن اللغة لا تريد منا أن نقف طويلًا في مدحها، بل تريد من يخدمها ويعمل لها ويمنحها من وقته وفكره، ولذلك أسعد كثيرًا وأنا أرى مؤسسة سعودية تحمل اسمًا عزيزًا علينا، اسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وقد أخذت على عاتقها أن تخدم العربية بطريقة تتناسب مع مكانة المملكة، ومع المكانة التي تحتلها هذه اللغة في وجداننا وتاريخنا وحياتنا.

ما يبعث على السرور في مجمع الملك سلمان أن العمل فيه يتحرك في أكثر من اتجاه، فلا تشعر أن العربية محصورة في النحو والصرف أو في مؤتمر يتحدث فيه المتخصصون إلى المتخصصين، بل تجد اهتمامًا بالتعليم والبحث والمعاجم والتقنية والمحتوى وتعليم العربية لغير الناطقين بها، وتجد تواصلًا مع المؤسسات والباحثين والخبراء، وهذا ما تحتاج إليه لغتنا بالفعل، فهي موجودة معنا في المدرسة والجامعة والوزارة والصحيفة والهاتف والمنصة الرقمية، ويجب أن تكون المؤسسة التي تخدمها قادرة على الوصول إلى هذه المساحات كلها، وأن تفهم أن طالب اليوم لا يعيش بالطريقة التي عاش بها طالب قبل ثلاثين عامًا، وأن اللغة التي تدخل حياته عبر الكتاب يجب أن تدخلها كذلك عبر التقنية التي يحملها في يده طوال اليوم.

وقد سرني الملتقى التنسيقي الخامس للمؤسسات السعودية المعنية باللغة العربية، ليس بسبب انعقاده للمرة الخامسة فقط، بل بسبب الفكرة التي يقوم عليها، وهي أن تجتمع المؤسسات التي تعمل للعربية وتتحدث مع بعضها وتعرف ما لديها من تجارب ومشروعات، فكم خسرنا في مجالات كثيرة بسبب أن كل جهة تعمل وحدها، وكم من تجربة ناجحة انتهت بانتهاء أصحابها لأن أحدًا لم يعرف عنها. أما أن يجمع المجمع هذه الجهات ويقرب بينها ويفتح المجال أمامها لتبادل المعرفة والخبرة، فهذا عمل نحتاج إليه، لأن العربية أكبر من مؤسسة، وأكبر من جامعة، وأكبر من قسم أكاديمي، وخدمتها مسؤولية يشترك فيها الجميع.

وعنوان الملتقى هذا العام (السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية: من الإطار التنظيمي إلى التفعيل المؤسسي) يحمل معنى يستحق الاهتمام، فالسياسة الوطنية للغة العربية التي صدرت بقرار مجلس الوزراء رقم (588) لا نريدها أن تبقى نصًا نقرأه ونثني عليه، بل نريد أن نشاهد أثرها في المؤسسات، وفي المدارس والجامعات، وفي الإعلام، وفي لغة الجهات الحكومية، وفي المحتوى الذي يقدم للناس، فالعربية ليست مسؤولية أستاذ اللغة العربية وحده، وكل موظف يكتب خطابًا، وكل جهة تصدر بيانًا، وكل جامعة تقدم معرفة، وكل مؤسسة تخاطب الناس تشارك بطريقة ما في تقديم صورة هذه اللغة.

وأنا القادم من التعليم أعرف أن أمام المجمع مساحة واسعة يستطيع أن يقدم فيها الكثير، فطالبنا لا يحتاج إلى أن يحفظ القاعدة ثم يضعها في ورقة الاختبار وينساها، بل يحتاج إلى أن يعرف كيف يكتب، وكيف يتحدث، وكيف يعبر عن رأيه، وكيف يقنع، وكيف يقدم نفسه وفكرته بلغة واضحة، وقد درست البلاغة والنقد سنوات طويلة، وما زلت أرى أن أعظم ما تمنحه اللغة للإنسان هو القدرة على أن يقول ما يريد بالطريقة التي تجعل الآخر يفهمه، ولذلك أتمنى أن تصل برامج المجمع ومشروعاته بصورة أكبر إلى الطالب والمعلم، وأن يشعر الاثنان أن العربية قريبة من حياتهما وليست مادة تنتهي علاقتهما بها بانتهاء الاختبار.

ويسعدني كذلك أن أرى العربية تأخذ نصيبها من الاهتمام في المجال التقني، فقد دخلنا زمنًا أصبح الإنسان يتحدث فيه إلى الآلة فتجيبه، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من حياتنا أسرع مما توقعنا، ولا أريد للعربية أن تدخل هذا العالم ضيفة متأخرة، بل أريدها أن تكون واحدة من لغاته القوية، وهذا يحتاج إلى عمل كبير في البيانات والمعاجم والمحتوى والأبحاث والتقنيات اللغوية، ويملك مجمع الملك سلمان، بما لديه من دعم وخبرات وعلاقات، فرصة كبيرة ليجعل المملكة في مقدمة الدول التي تعمل على بناء حضور عربي قوي في هذا المجال.

وللمجمع جهد يستحق الشكر في نشر العربية وتعليمها لغير الناطقين بها، وأجد في هذا العمل معنى يتجاوز تعليم اللغة نفسها، فالإنسان الذي يتعلم العربية يتعرف علينا بصورة مختلفة، ويقرأ ثقافتنا من داخلها، ويقترب من أدبنا وتاريخنا ومجتمعنا، وما أتمناه أن يصبح اسم الرياض مرتبطًا في العالم بتعلم العربية ودراستها، وأن يعرف من يريد العربية، أيًا كان بلده، أن في المملكة مجمعًا يستطيع أن يقوده إليها بالعلم والمعرفة والوسائل الحديثة.

ولا بد أن تقال كلمة شكر لصاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة رئيس مجلس أمناء المجمع، على دعمه لهذا الصرح، والشكر موصول للأستاذ الدكتور عبدالله بن صالح الوشمي، الأمين العام للمجمع، ولجميع العاملين معه، فما نراه من برامج ومشروعات وملتقيات وعلاقات لا يصنعه شخص واحد، بل تقف خلفه عقول وأيدٍ تعمل وتخطط وتتابع، ومن الوفاء أن نذكر الناس الذين يعملون للعربية كما نذكر الشعراء والأدباء الذين أبدعوا بها.

لقد أخذت العربية مني سنوات كثيرة من الدراسة والقراءة والبحث، لكنها أعطتني عمرًا آخر من المعرفة، ولذلك أفرح بكل جهد يقدم لها شيئًا حقيقيًا، وأشعر بالفخر أن أرى في بلدي مؤسسة تحمل اسم الملك سلمان وتعمل لهذه اللغة بهذا الاتساع، وأرجو أن يكبر المجمع أكثر، وأن يصل إلى الناس أكثر، وأن يعرفه الطالب والمعلم والموظف كما يعرفه الباحث والمتخصص، وأن يصبح بعد سنوات المرجع الذي يتجه إليه كل من يبحث عن العربية في أي مكان من العالم.

شكرًا لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ليس لأنكم تحدثتم عن لغتنا كثيرًا، بل لأنكم عملتم لها، واللغة التي منحتنا هويتنا وذاكرتنا وشيئًا كبيرًا من تكويننا تستحق من وطنها هذا الوفاء، وتستحق منّا أن نقول لمن يخدمها: أحسنتم، وواصلوا، فالعربية تستحق الكثير.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.