من نماذج المزايدة في الوطنية لإثبات الولاء للحاكم، أن مسؤولًا في وزارة الإعلام العراقية كُلِّف، في الأيام الأولى من الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، بمرافقة وفد من الصحفيين العراقيين والعرب والأجانب في جولة داخل المناطق الإيرانية التي احتلها الجيش العراقي.
ولم يكتفِ بأداء مهمته بهدوء ووقار يليقان بمسؤول إعلامي، بل اندفع ينزع صورًا دينية كانت معلقة على جدران أحد المباني، ويلقيها أرضًا ويدوس عليها بحذائه بعصبية شديدة، ليُظهر أمام كاميرات الصحافة العالمية شجاعته وإخلاصه للزعيم.
لكن، من سوء حظه، أن القوات الإيرانية شنت هجومًا مباغتًا، واستعادت المنطقة ودخلت المبنى الذي كان الوفد يتجول فيه، فألقت القبض على الجميع. لكنها أطلقت سراح الصحفيين العراقيين والعرب والأجانب، وأبقت ذلك المسؤول أسيرًا، عشرين عامًا، ثمنًا باهظًا للقطة تلفزيونية لم تكن مطلوبة منه ولا منتظرة.
لم يكن يدافع عن العراق، ولم يكن ما فعله جزءًا من مهمته الإعلامية، بل حوّل مهمة مهنية إلى استعراض شخصي أمام الكاميرات. والمفارقة القاسية أن الكاميرات التي أرادها شاهدًا على ولائه أصبحت شاهدًا على تهوره، ويبدو أن ذلك المشهد كان سببًا في تشديد معاملة الإيرانيين له وإبقائه في الأسر.
ولا تتحدث هذه الحكاية عن الولاء وحده، بل عن تحوّله في ظل الحكم الفردي إلى "مزاد علني"، يحاول فيه كل مسؤول أن يكون أعلى صوتًا، وأشد حماسة، وأكثر اندفاعًا من زملائه، حتى لو لم يطلب منه الحاكم ذلك.
وقد بلغ هذا المزاد ذروته في العراق خلال استفتاء عام 2002، حين أُعلن رسميًا أن جميع الناخبين المسجلين، وعددهم أكثر من أحد عشر مليونًا، شاركوا في التصويت، وأنهم جميعًا، من دون استثناء، قالوا "نعم" لصدام حسين. وكانت النسبة في استفتاء عام 1995 قد بلغت 99.96 بالمئة، فكأن القائمين على الاستفتاء رأوا أن بقاء أربعة من كل عشرة آلاف خارج الإجماع نقصٌ في الولاء، فأكملوا النسبة في الاستفتاء التالي.
لم تكن المئة بالمئة دليلًا على حب الشعب كله للحاكم، بل على أن أحدًا لم يجرؤ على أن يترك في الأرقام مساحة صغيرة للاختلاف. وعندما يخشى المسؤول تسجيل صوت معارض واحد، فإنه لا يعود ينقل الحقيقة، بل ينقل إلى الحاكم الصورة التي يعتقد أنه يريد رؤيتها.
ومن قصص المزايدات الولائية الفريدة في تاريخ عراق القائد الضرورة أن واحدًا من المشاركين في الاستفتاء جرح يده وكتب بدمه كلمة (نعم) للقائد، أمام الكاميرات.
في الأنظمة الطبيعية يتنافس المسؤولون في الإنجاز، أما في الأنظمة الفردية فيتنافسون في إثبات الولاء. الأول يبني الدولة، والثاني يعزل الحاكم عن الحقيقة، ويملأ المؤسسات بالمنافقين والمزايدين.
لم تكن مأساة ذلك المسؤول الإعلامي في أنه أحب وطنه أكثر من الآخرين، بل في أنه جعل حب الوطن استعراضًا لولائه للحاكم. فالوطنية الحقيقية مسؤولية وحكمة واتزان، أما المزايدة فهي لحظة استعراضية قد تمر في ثوانٍ، لكن ثمنها قد يُدفع من عمر إنسان، أو من مستقبل مؤسسة، أو من حياة شعب كامل، والعياذ بالله.


