بعد أن صمت أزيز الصواريخ الاعتراضية وغاب دوي الطائرات الحربية دون أن تنكسر إرادة طهران أو تُجبر على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، تقف واشنطن اليوم عند نقطة التحول الأكثر خطورة في تاريخ صراعها مع الشرق الأوسط. لسنوات طويلة، كان السلاح الاقتصادي يتقدم المشهد كتمهيد دبلوماسي لمنع انفجار الحروب، لكن البيت الأبيض يقدم اليوم على مراهنة "معكوسة"، إشهار سيف المال وتفعيل مقصلة "الدولار" بعد أن استُنفذت أدوات القوة العسكرية المباشرة وحاصرت الأساطيل البحرية الموانئ الإيرانية دون جدوى.
إنها محاولة أميركية متأخرة لخنق الاقتصاد الإيراني وتدمير آخر خياراته المتاحة عبر ضرب المحركات الحيوية للنفط والطاقة النووية والصواريخ، وملاحقة شبكات الأصول الرقمية والذهب وتجارة الطيران، وصولًا إلى تهديد المصارف العالمية بدفع ثمن باهظ إذا لم تقطع شرايين تواصلها مع المصرف الوطني الإيراني. غير أن هذه "الحرب الشاملة" تضع النفوذ المالي الأميركي أمام اختبار القوة المطلقة، وتثير تساؤلات جادة حول الحدود الفعلية لسطوة واشنطن حين تتجاوز حدود الخصوم لتضغط على الأصدقاء والمنافسين الدوليين في وقت واحد.
فالرهان على شل حركة الدولة الإيرانية يصطدم بجدار من الحقائق الجيوسياسية المعقدة، وفي مقدمتها خبرة طهران الطويلة منذ ثورة 1979 في تحييد مفاعيل العقوبات والالتفاف عليها. لقد نجحت إيران، بالتوازي مع حركة أسطول الظل ونقل النفط عبر ناقلات وسيطة، في تعميق علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع روسيا، وبناء شريان مالي موازٍ مع الصين يعتمد على اليوان وتدفقات النقد المستمرة بـ500 ألف برميل نفط يوميًا. وهنا تكمن المعضلة الأميركية الكبرى، إذ إن أي اندفاع واشنطن لمعاقبة البنوك والمؤسسات الكبرى في بكين أو الهند سيحول معركتها الإقليمية إلى صدام اقتصادي عالمي مفتوح، وهو رهان محفوف بالمخاطر تزامنًا مع المساعي الأميركية لتهدئة التوترات التجارية وتحسين العلاقات مع الصين.
في المقابل، تبدو الساحة الدولية مختلفة تمامًا عما كانت عليه خلال مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، يوم نجحت إدارة أوباما في إحكام العزلة بفضل تحالف دولي متماسك. أما اليوم، فإن سياسات التهديد المالي المباشر والنزعات الأحادية التي تطال حتى الحلفاء التقليديين تجعل استنساخ ذلك الإجماع أمرًا شبه مستحيل. وبالرغم من أهمية الخطوة الاستراتيجية التي اتخذتها الإمارات العربية المتحدة بتجميد المعاملات التجارية والمالية المتشعبة مع طهران، فإن استدامة الخنق الاقتصادي ستبقى مجرد صخب لفظي إذا لم تُترجم التهديدات الأميركية إلى مواجهة مباشرة مع القوى الصناعية الكبرى. تملك واشنطن زر البداية في هذه الحرب المالية، لكنها تدرك تمامًا أن التحكم في نهايتها أو التنبؤ بحدود آثارها الجانبية أصلح من أن يكون مجرد خيار أميركي خالص.


