ليست العلاقات بين المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان وليدة ظرف سياسي، ولا نتيجة أزمة عابرة، ولا علاقة جوار فرضتها خرائط المنطقة. إنها علاقة ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا، تجمع بلدين وشعبين شقيقين، وتشترك في كثير من القيم والمصالح والتحديات، وتدرك قيادتا البلدين أن استقرار أحدهما جزء لا يتجزأ من استقرار الآخر، وأن أمن الخليج في نهاية المطاف مسؤولية ومصلحة مشتركة.
ولهذا، فإن زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، إلى المملكة، ولقاءه بصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في جدة، لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد زيارة أخوية، على أهميتها ومكانتها، بل يجب النظر إليها من زاوية التوقيت وما يحيط بمنطقتنا من تحولات ومخاطر واستحقاقات.
فالبيان الرسمي السعودي أشار إلى استعراض العلاقات الأخوية، ومجالات التعاون الثنائي والفرص الواعدة لتعزيزها، وبحث تطورات الأوضاع في المنطقة والجهود المبذولة للحفاظ على أمنها واستقرارها.
وفي الجانب العُماني، كان التعبير أكثر دلالة حين أشار إلى مناقشة الحلول الكفيلة بتحقيق التهدئة والسلم بما يضمن سلامة الدول والشعوب ويحافظ على اقتصاداتها ومصالحها.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية اللقاء.
فالمملكة وعُمان لا تلتقيان اليوم في زمن هادئ. المنطقة من حولهما تمر بمرحلة شديدة التعقيد، وأمن الخليج والممرات البحرية وإمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي باتت ملفات متداخلة، بحيث لم يعد ممكنًا فصل الأمن السياسي عن الأمن الاقتصادي، ولا أمن دولة خليجية عن جارتها.
ومن يتأمل السياسة السعودية في السنوات الأخيرة يلحظ بوضوح أنها، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، تجمع بين قوة الموقف والحرص على التهدئة، وبين حماية المصالح الوطنية وعدم إغلاق أبواب الحوار.
وفي الجهة الأخرى، عُرفت عُمان تاريخيًا بسياسة هادئة ومتزنة، وبقدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أصعب الظروف، وعلى لعب أدوار دبلوماسية تساعد على تقريب المسافات عندما تتباعد المواقف.
وعندما تلتقي الثقافة السياسية السعودية القائمة اليوم على المبادرة وصناعة الحلول بالدبلوماسية العُمانية الهادئة ذات الخبرة الطويلة في الوساطة والحوار، فإن المنطقة من حقها أن تنظر باهتمام إلى ما يمكن أن ينتج عن هذا التقارب والتنسيق.
ولعل هذا ما يفسر الاهتمام الذي حظيت به الزيارة، والقراءات التي ربطتها بأمن الخليج والملاحة والاستقرار الإقليمي.
فالمملكة بثقلها العربي والإسلامي والدولي والاقتصادي، وعُمان بموقعها الجغرافي الحساس وخبرتها السياسية وعلاقاتها المتوازنة، تستطيعان مع بقية دول مجلس التعاون أن تشكلا مساحة واسعة للعمل السياسي المسؤول في وقت أصبحت فيه منطقتنا أحوج ما تكون إلى إطفاء الحرائق، لا إشعالها.
ولفت نظري كذلك مستوى الحضور في لقاء جدة.
فإلى جانب وزيري الخارجية، حضر من الجانب السعودي مسؤولون عن الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، والتجارة، والسياحة، والنقل والخدمات اللوجستية، والاستثمار، ورئيس الاستخبارات العامة، فيما ضم الوفد العُماني مسؤولين رفيعي المستوى في الدفاع والخارجية والداخلية والاستثمار والنقل والاتصالات والطاقة والمعادن.
وهذه التركيبة في حد ذاتها تسمح بقراءة واسعة للقاء.
فالعلاقة السعودية ـ العُمانية لم تعد محصورة في التنسيق السياسي فقط، بل أمامها فضاء كبير من المصالح الاقتصادية والاستثمارية واللوجستية والطاقة والسياحة والتجارة، خاصة في ظل "رؤية السعودية 2030" و"رؤية عُمان 2040"، وما تفتحانه من أبواب للتكامل بين اقتصادين خليجيين يملكان إمكانات وفرصًا كبيرة.
ومن هنا، أعتقد أن نتائج هذه الزيارة لن تتوقف عند ما أُعلن في بيانها، فبعض اللقاءات السياسية تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أمام الكاميرات، بينما تُقاس لقاءات أخرى بما تفتحه من مسارات وما تمنعه من أزمات، ولقاء جدة يبدو أقرب إلى النوع الثاني.
إن المرحلة الحالية تحتاج إلى المزيد من التشاور الخليجي، وإلى بناء موقف يدرك أن أي اضطراب واسع في المنطقة لن يقف عند حدود دولة بعينها، فالنار إذا اشتعلت في الخليج لن تسأل عن جوازات السفر قبل أن تمتد آثارها إلى الموانئ والمطارات وأسواق الطاقة والاستثمارات وحياة الناس.
ولهذا، فإن المملكة وسلطنة عُمان، ومعهما بقية دول مجلس التعاون، أمام فرصة تاريخية لترسيخ مفهوم أكثر تقدمًا للأمن الخليجي: أمن لا يقوم فقط على رد الفعل، وإنما على منع الأزمة قبل وقوعها، واحتواء التصعيد قبل انفلاته، وبناء المصالح المشتركة التي تجعل الاستقرار خيارًا لا غنى عنه للجميع.
وهنا لا بد أن نتذكر أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم يُنشأ ليكون إطارًا للاجتماعات والبيانات فحسب، وإنما ليعبّر عن حقيقة جغرافية وتاريخية واجتماعية وأمنية: أن دول الخليج الست، مهما اختلفت اجتهاداتها وأساليبها السياسية، تظل في قارب واحد.
ومن هذه الزاوية تصبح زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة أكبر من إطارها الثنائي، فهي لبنة في جدار خليجي نحتاج اليوم إلى زيادة صلابته.
ومن المهم أيضًا ألا نحمّل زيارة واحدة أكثر مما تحتمل، أو نستبق نتائجها بتوقعات غير معلنة.
فالسياسة الرصينة تُقرأ بما صدر عنها وبما يتبعها من خطوات. لكن من المشروع أن نقول إن اجتماع قيادتين بهذا الوزن، وفي هذا التوقيت، ومناقشتهما صراحة التهدئة والسلم وأمن الدول والشعوب واقتصاداتها، يحمل رسالة يصعب تجاهلها: الخليج يريد أن يكون شريكًا في صناعة أمنه ومستقبله، لا ساحةً لتصفية صراعات الآخرين.
ولعل هذا هو الأهم.
لقد دفعت منطقتنا على مدى عقود أثمانًا باهظة للحروب والأزمات والاستقطابات، وحان الوقت لأن تصبح لغة المصالح والتنمية والحوار أعلى من أصوات الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات.
السعودية اليوم لديها مشروع تنموي ضخم تريد له بيئة إقليمية مستقرة، وعُمان لديها مشروعها التنموي وطموحاتها الاقتصادية، وكذلك بقية دول مجلس التعاون الخليجي.
وهذه الشعوب لم تعد تريد أن تبقى رهينة أزمة تتبعها أزمة، وإنما تريد التنمية والوظائف والاستثمار والاستقرار ومستقبل أبنائها.
وختامًا.
من جدة، حيث التقى الأمير محمد بن سلمان والسلطان هيثم بن طارق، تبدو الرسالة أبعد من حدود المملكة وعُمان: لسنا بحاجة إلى حرب جديدة في هذه المنطقة، بل إلى شجاعة تمنع الحرب، وحكمة توقف التصعيد، وقوة تحمي السلام.
والمملكة وعُمان تملكان من ثقل الأولى وحكمة الثانية، ومن عمق علاقتهما ومكانتهما، ما يجعلهما ركيزتين مهمتين في أي جهد يعيد للمنطقة شيئًا من هدوئها، ويدفع بمجلس التعاون نحو مزيد من التنسيق والتكامل.
ولعل أجمل ما يمكن أن تتمخض عنه هذه الزيارة ألا تكون نتائجها سعودية ـ عُمانية فحسب، بل خليجية وإقليمية، وأن يكون لقاء جدة خطوة في طريق طويل تنتصر في نهايته الحكمة على المغامرة، والحوار على الصدام، والتنمية على الدمار.
حفظ الله المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، وقيادتيهما وشعبيهما، وحفظ خليجنا ودولنا وشعوبنا من كل شر، وأدام علينا جميعًا نعمة الأمن والسلام والاستقرار.
ففي زمن تكثر فيه الأيدي التي تشعل الحرائق، ما أحوج منطقتنا إلى رجال دولة يعرفون كيف يطفئونها.


