: آخر تحديث

الحرب مع إيران: حان الوقت لإعادة التفكير

1
0
1

قبل أكثر من عام، حين كان بعض الساسة والمعلقين الأميركيين يقرعون طبول الحرب ضد إيران، ذكّر فيكتور ديفيس هانسن جمهوره بأن اثنتين من بين ما يسميها «المعارك الـ10 الحاسمة»، التي خاضها «الغرب» عبر التاريخ، كانتا ضد إيران.

والمعركتان اللتان أشار إليهما المؤرخ العسكري المرموق هما معركة سلاميس، التي أغرق فيها الآخيون الأسطول الفارسي، ومعركة غوغميلا، التي هزم فيها الإسكندر المقدوني داريوس الثالث.

أما السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، أحد أبرز الداعين إلى شن هجوم على إيران، فأشار إلى معركة ثالثة، معركة ترموبيل، حيث انتهى الأمر فيها بقطع رأس الملك الإسبرطي ليونيداس، وعُرضت معلَّقة على رمح.

ودعا غراهام إلى الانتقام، كما لو أن الولايات المتحدة الحديثة الوريث الطبيعي لإسبرطة القديمة.

ومساء الاثنين الماضي، تذكّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب التعهد الذي أطلقه صديقه الراحل، ونشر صورة له إلى جانب صورة ليونيداس التعيس، مجدداً تعهده بتدمير إيران، التي وصفها بأنها دولة فاشلة.

وكان من المفترض أن يشكل الهجوم، الذي أمر بشنه على جزيرة لارك الإيرانية، الطلقة الافتتاحية في جولة جديدة من مخطط «محو إيران من الخريطة».

إلا أنه سرعان ما اتضح أن ترمب أمر بالهجوم ليبعث برسالة إلى الصين وروسيا، اللتين كانتا تستعدان لعقد قمة «منظمة شنغهاي للتعاون»، في العاصمة القيرغيزية بيشكيك، مفادها أن الحرب مع إيران، التي كانت تحضر القمة هي الأخرى، لم تنتهِ بعد.

واليوم، تحولت حرب بدأت بقوة صادمة غير مسبوقة، إلى حرب منخفضة الحدة، قد تستمر لأشهر أو حتى سنوات، بينما يفقد أطرافها تدريجياً القدرة على تمييز الأهداف في خضم ضباب الحرب.

وقد يتساءل المرء كذلك عمَّا إذا كانت الحرب الحالية على إيران تشهد نوعاً من «الأوكرنة»، بمعنى أن الصراع يستمر بوتيرة أقل، وإن ظلت مميتة، من دون أن يكون لها هدف واضح. وعلى مدى الأشهر الثلاثة الماضية على الأقل، أولى الرئيس ترمب مطلبه بضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، أولوية قصوى.

وبغضّ النظر عن بعض التعثرات العابرة، ظل المضيق مفتوحاً بالفعل طوال ثلاثة أسابيع، على الأقل. وحسب مصادر الملاحة الدولية، تعبر المضيق في المتوسط بين 50 و60 سفينة يومياً؛ عدد لا يزال دون المستوى الذي كان عليه قبل الحرب، لكنه بعيد كل البعد عن الإغلاق الكامل.

ورغم الاستعراضات الكلامية التي يطلقها المراهقون المتقدمون في السن، الذين يديرون ما تبقى من النظام الخميني في طهران، فإن طابور السفن العالقة في المضيق يكاد يكون قد انتهى. كما يتدفق النفط إلى الخارج بمتوسط يومي يزيد على ثمانية ملايين برميل.

وحسب ترمب، فقد أُزيلت جميع الألغام التي زُرعت في المضيق، والتي ربما كانت وهمية من الأساس.

أما عن تباهي طهران بتحويل المضيق إلى «شجرة نقود»، فإنه في واقع الأمر لم تدفع أي سفينة، حتى الآن، فلساً واحداً مقابل المرور خلاله. أما إسرائيل، التي اعتاد البعض تحميلها مسؤولية إشعال الحرب، فتقف الآن على هامش الحلبة، تراقب وتتساءل ماذا عساها أن تفهم من مناورات ترمب المتقلبة. وقد أدرك ما تبقى من الخمينيين ذلك، فأوقفوا هجماتهم على إسرائيل، ووجهوا ضرباتهم إلى الأردن والبحرين والإمارات. ويرغب هذا الفريق في استمرار الحرب بوتيرة منخفضة، لإبقاء ادعاء «المقاومة» حياً، مع إرجاء الانفجار الحتمي لغضب شعبي متراكم ضد حكمهم المتهالك.

والواضح أنهم بحاجة إلى استمرار الحرب، لتبرير فشلهم في جميع المجالات، وكذلك قمعهم للمعارضين. اليوم، تنهار العملة الوطنية، بينما يلقون باللوم على الحرب، في الوقت الذي انحسر الناتج المحلي الإجمالي بنحو 6 في المائة خلال عام، بينما يلقون باللوم على الحرب.

وارتفعت نسبة الإيرانيين تحت خط الفقر إلى 58 في المائة، وهم يلقون باللوم على الحرب. وتجاوز التضخم 60 في المائة، وهم مستمرون في إلقاء اللوم على الحرب.

من جهته، أقر محافظ البنك المركزي بأنه يتلقى أوامر بطباعة النقود من دون حساب، كأن الغد غير موجود، وهو بدوره يلقي باللوم على الحرب.

إلا أنه إذا انتهت الحرب، فقد تنفجر إلى العلن الصراعات الخفية على السلطة داخل زمرة الحكم. وقد تُجبَر الفصائل المتنافسة على اللجوء إلى الشعب، أملاً في ترجيح كفة كل منها لمصلحتها.

وقد يتساءل الناس عن سبب عدم ظهور المرشد المعلن مجتبى خامنئي، الذي يبقى متوارياً عن الأنظار، من المفترض لأسباب أمنية. في الواقع، هناك حالات كثيرة من شأن انتهاء الحرب أن تؤدي فيها إلى تغيير القيادة، أو حتى إلى تغيير النظام.

على سبيل المثال، كان ونستون تشرشل وشارل ديغول من المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك خسر كلاهما السلطة بعد فترة وجيزة من فتح زجاجات الشمبانيا احتفالاً بالنصر. وفي الولايات المتحدة، كان الرئيس هاري ترومان على رأس السلطة عندما تحطم آخر أذرع دول المحور، ورغم ذلك فقد الديمقراطيون السلطة في أول انتخابات أعقبت الحرب.

واليوم، أشكك في أن أياً من فولوديمير زيلينسكي أو فلاديمير بوتين سيتمكن من البقاء في السلطة طويلاً بمجرد أن تضع الحرب بينهما أوزارها.

عام 1981، وصف الخميني الحرب التي بدأها صدام حسين بأنها «منحة إلهية»، وقال مساعده المقرب، هاشمي رفسنجاني، إنه لولا الحرب لما كان واثقاً من قدرة النظام الإسلامي على الاستمرار أكثر من عامين أو ثلاثة.

واليوم، يحتاج ما تبقى من الخمينيين إلى الحرب، لكن ترمب لا يحتاج إليها.

بادئ ذي بدء، هذه حرب اختيارية، وليست حرب ضرورة، مما يعني أن المواطن الأميركي العادي لا يشعر بأنه مهدَّد حال إنهائها، كما أنه لن يشعر بالابتهاج إذا ما انتصر فيها.

إضافةً إلى ذلك، لن يسعى ترمب إلى إعادة انتخابه، وأي شخص يختاره بوصفه خليفته المفترض سيُحكم عليه حسب قدراته وأدائه هو، وبناءً على قضايا أخرى كثيرة، لا علاقة لها بهذه الحرب الغريبة.

وأخيراً، لا يحتاج ترمب إلى نصر عسكري في هذه الحرب، كي يروّج لرؤيته. ورغم بعض الانتكاسات الواضحة، لديه رواية معقولة يمكنه طرحها بشأن الاقتصاد. ولا تزال حملته ضد الهجرة غير النظامية تحظى بشعبية، كما أن جهوده للحد من النخبوية، التي كثيراً ما تتخفى وراء ادعاءات زائفة ذات طابع يساري، تلقى صدى يتجاوز قاعدة مؤيديه، الذين سبق أن وصفتهم هيلاري كلينتون بأنهم «حثالة العوام».

وبما أنه لا هو ولا أي شخص آخر يعرف ما الذي قد يعنيه «الانتصار» في هذه الحرب، فلا مصلحة له في الاستمرار في خوضها، خصوصاً أنه يدرك أن إعلان نهايتها قد يعرّض خصمه لخطر داهم، وربما قاتل، على الصعيد الداخلي. في الواقع، ألحق ترمب الضعف بالنظام الخميني إلى حد كان يستحيل تصوره قبل عام واحد فقط.

والآن، ينبغي له أن يمرِّر الكرة إلى الشعب الإيراني، ليسوّي هو حسابه بنفسه مع هذا النظام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد