: آخر تحديث

احتواء التصعيد

0
0
0

لن تنهي الاعتداءات الإيرانية الحرب أو تغيّر موازين القوى، بل ستزيد التوتر وتعرقل التهدئة، وتهدد بتمدد الصراع إلى دول ومصالح أخرى. وفي منطقة دفعت طويلًا أثمان الحروب والأزمات، فإن توسيع دائرة المواجهة لا يصنع مكسبًا سياسيًا بقدر ما يفتح أبوابًا جديدة يصعب التحكم في نتائجها.

وفي مواجهة ذلك، يجمع الموقف السعودي بين إدانة الاعتداءات، ودعم الدول الشقيقة في حماية أمنها وسيادتها، والدعوة إلى المفاوضات والحلول السلمية. فاستهداف الناقلة السعودية «سدر» في مضيق هرمز، والاعتداءات التي طالت الأردن والبحرين والكويت، يكشفان اتساع دائرة الصراع خارج أطرافه المباشرة، وتهديده أمن المنطقة وسلامة الملاحة وإمدادات الطاقة.

وهنا تكمن خطورة المشهد؛ فكلما دخلت دول ومصالح جديدة في دائرة الاستهداف، تضاءلت فرص احتواء المواجهة، وأصبحت احتمالات الخطأ وسوء التقدير أكبر. والحروب لا تتسع دائمًا بقرار معلن، فقد تكفي ضربة واحدة أو حسابات خاطئة لنقل المنطقة إلى مستوى آخر من التصعيد.

وتتضاعف هذه الخطورة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية عالميًا، إذ تمتد تداعيات اضطرابه إلى أسواق الطاقة والتجارة والاقتصاد الدولي. ولذلك فإن تحويله إلى ساحة للصراع لا يقرب الحل، بل يوسع الأزمة ويرفع كلفتها، ويضع مصالح دول وشعوب بعيدة عن المواجهة أمام تداعيات لا علاقة لها بأسبابها.

وكان يفترض بإيران، بحكم موقعها وجوارها لدول الخليج، أن تدرك أن أمنها لا ينفصل عن أمن جيرانها، وأن تهديد دول المنطقة يقوّض الاستقرار وفرص بناء علاقات إقليمية مستقرة. فالجغرافيا باقية بعد انتهاء الأزمات، ومصالح الشعوب أبقى من المواجهات، ولا يمكن بناء أمن مستدام في الخليج إذا ظل أمن دولة يُنظر إليه بمعزل عن أمن بقية دوله.

لذلك، لا تعني دعوة المملكة إلى التهدئة تجاهل الاعتداءات، ولا تعني إدانتها السعي إلى حرب جديدة، بل تعكس موقفًا مسؤولًا يجمع بين حماية الدول وسيادتها ومنع اتساع الصراع. كما أن العودة إلى المفاوضات ليست تنازلًا عن الحقوق، وإنما طريق لتجنيب المنطقة مواجهة أوسع لن يكون بمقدور أحد ضمان حدودها أو نتائجها.

فالمنطقة لا تحتاج إلى جبهة جديدة، بل إلى احتواء التصعيد قبل أن تصبح كلفة احتوائه أكبر، وإلى تغليب السياسة على منطق المواجهة قبل أن يفرض اتساع الصراع واقعًا يصعب التراجع عنه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد