: آخر تحديث

الشباب.. ثروة بلا استثمار!

0
0
0

لا تُقاس ثروة الأوطان بما تختزنه الأرض من نفطٍ ومعادن، ولا بما تملكه الخزائن من أموال، بقدر ما تُقاس بما تملكه من إنسان قادر على العمل والإبداع وصناعة المستقبل. ومن هنا، يشكّل الشباب الثروة الأهم في حياة أي مجتمع، فهم طاقته المتجددة، وذاكرته التي تتطلع إلى الأمام، والقوة التي تستطيع أن تحوّل الأحلام إلى مشاريع، والأفكار إلى منجزات، والمستحيل إلى فرصة قابلة للتحقق.

لكن المفارقة المؤلمة تبدأ حين تتحول هذه الثروة إلى طاقة معطّلة، حين يفتح الشاب عينيه على مستقبل ضبابي، ويقضي سنوات طويلة بين مقاعد الدراسة، ثم يغادر الجامعة حاملًا شهادته واندفاعه وأحلام أسرته، ليجد أمامه أبوابًا موصدة، وطوابير طويلة من الباحثين مثله عن وظيفة قد لا تأتي.

البطالة في عالمنا العربي لم تعد مشكلة اقتصادية فحسب، بل أصبحت جرحًا نفسيًا واجتماعيًا يمتد عميقًا في حياة الفرد والأسرة والمجتمع. فالشاب العاطل عن العمل لا يخسر دخلًا فقط، بل قد يخسر تدريجيًا شعوره بالجدوى، وثقته بنفسه، وقدرته على التخطيط لحياته. ومع مرور الوقت، يتحول الانتظار إلى إحباط، والإحباط إلى شعور بالتهميش، وقد يتسلل إليه الإحساس بأنه زائد عن حاجة المجتمع الذي أنفق سنوات من عمره لكي يكون جزءًا فاعلًا فيه.

وحين يرى الشاب أن سنوات الدراسة لم تمنحه موقعًا، وأن الكفاءة ليست دائمًا الطريق إلى العمل، يبدأ السؤال الأكثر قسوة في داخله: لماذا درست؟ ولماذا اجتهدت؟ وما قيمة ما تعلمته إذا كانت الفرصة تُمنح أحيانًا على أساس الواسطة أو المحسوبية أو النفوذ؟

هنا تصبح البطالة أزمة ثقة، لا أزمة وظيفة وحدها.

ولهذا فإن معالجة المشكلة لا يمكن أن تقوم على انتظار الدولة لتوفير مقعد وظيفي لكل خريج. المطلوب هو اقتصاد قادر على صناعة العمل لا توزيعه فقط، وعلى خلق مساحات واسعة للمبادرة والإنتاج والاستثمار. فالوطن العربي يمتلك إمكانات كبيرة في الزراعة والصناعة والسياحة والطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، لكن الإمكانات وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى خطط ومشاريع وفرص حقيقية.

ومن أهم المسارات التي ينبغي الاستثمار فيها دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لأنها قادرة على تحويل الشاب من باحث عن وظيفة إلى صانعٍ لها.

كثير من الشباب يمتلكون أفكارًا مبتكرة ومهارات مميزة، لكنهم يصطدمون بنقص التمويل، وتعقيد الإجراءات، وغياب التوجيه والخبرة. ولذلك فإن القروض الميسرة، والإعفاءات المدروسة، والتدريب، وحاضنات الأعمال، وتبسيط القوانين، ليست امتيازات، بل أدوات ضرورية لبناء اقتصاد أكثر قدرة على الحياة.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل الشباب دون التوقف عند التعليم. فما زالت الفجوة واسعة في كثير من بلداننا بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاج إليه سوق العمل.

تخرّج الجامعات آلاف الطلبة في تخصصات محدودة الفرص، بينما تعاني قطاعات أخرى من نقص المهارات والخبرات.

إن التعليم الذي لا يفتح بابًا للحياة يحتاج إلى مراجعة. ولهذا يصبح تطوير التعليم المهني والتقني، وتعزيز المهارات الرقمية واللغات والبرمجة والتخصصات الحديثة، ضرورة لا ترفًا. فالعالم يتحرك بسرعة نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد وريادة الأعمال، ومن لا يُعِد شبابه لهذه التحولات يتركهم عمليًا خارج زمنهم.

وفي المقابل، تبقى العدالة في التوظيف عاملًا حاسمًا. فلا شيء يقتل الحافز في نفس الشاب أكثر من أن يرى فرصة يستحقها تذهب إلى غيره بسبب علاقة شخصية أو نفوذ اجتماعي. عندها لا يشعر فقط بأنه خسر وظيفة، بل بأنه خسر ثقته بالمؤسسة وبفكرة العدالة نفسها.

ومن هنا تبدأ الهجرة.

فكثير من الشباب لا يغادرون أوطانهم لأنهم يكرهونها، بل لأنهم يريدون مكانًا يعترف بقدراتهم. يبحثون عن مساحة يشعرون فيها أن تعبهم محسوب، وأن شهادتهم لها معنى، وأن الطريق لا يحتاج إلى واسطة. وهكذا تخسر بلداننا عقولًا وأيديًا وخبرات أنفقت سنوات على تعليمها، ثم قدمتها جاهزة لاقتصادات أخرى.

وتنعكس البطالة كذلك على الأسرة. فالشاب الذي لا يجد عملًا يؤجل الزواج، والاستقلال، وتكوين البيت، وربما يظل سنوات معتمدًا على عائلته، في وقت كان يفترض فيه أن يصبح سندًا لها. ومن هنا تتوسع دائرة الضغط النفسي والاقتصادي، وتتولد مشكلات اجتماعية لا يمكن فصلها عن غياب العمل والاستقرار.

لهذا كله، ينبغي ألا تكون قضايا الشباب هامشًا في البرامج الحكومية، ولا فقرة احتفالية في الخطابات، بل محورًا أساسيًا في أي مشروع نهضة. والأهم أن يشارك الشباب أنفسهم في رسم السياسات التي تخصهم، لا أن تُصنع القرارات عنهم في غرف مغلقة، ثم يُطلب منهم التكيّف معها.

الشباب لا يريدون الشفقة، ولا الوعود التي تتجدد مع كل مناسبة. إنهم يريدون حقًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد: أن تتاح لهم الفرصة.

يريدون أن يشعروا بأن وطنهم يراهم، وأن تعبهم ليس هدرًا، وأن أحلامهم ليست عبئًا على أحد.

لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة انتظار الوظيفة إلى ثقافة صناعة الفرصة، ومن الاعتماد الكامل على الدولة إلى شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع والشباب. فالثروة الحقيقية ليست ما نملكه اليوم، بل ما نصنعه بالغد.

وإذا كان الشباب هم مستقبل الأوطان، فإن تركهم في البطالة والانتظار ليس إهمالًا لجيل واحد فحسب، بل تبديدًا لمستقبل مجتمع بأكمله.

إنهم ليسوا عبئًا ينبغي احتواؤه، بل طاقة ينبغي إطلاقها. فإما أن نستثمر فيهم اليوم، أو ندفع جميعًا غدًا ثمن الثروة التي تركناها تضيع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.