: آخر تحديث

أمة العلماء وأمة المشاهير.. من نصنع ليقود المستقبل؟

0
0
0

ثمة صور لا تُعلَّق على الجدران فقط، بل تُعلَّق معها رسائل كاملة في وعي الأجيال.

حين تختار دولة أن تضع عالمًا في واجهة مدينة، فهي لا تحتفي بشخص مضى فحسب، إنها تقول لمن ينظر إليه: هذا هو النموذج الذي يستحق أن تتوقف أمامه.

وعلى الجانب الآخر، حين تتكرر صور المشاهير في كل زاوية، حتى يصبح حضورهم أكبر من حضور العلماء والمفكرين والباحثين، فإن الرسالة تصبح مختلفة أيضًا: هذه هي الأسماء التي ينبغي أن تعرفوها، وهذه هي الصورة التي قدّمناها لكم عن النجاح.

لهذا، فإن السؤال ليس: من يظهر على الشاشات؟

بل: من نختار نحن أن نضعه أمام أعين الأجيال؟

في الصين، أثارت مبادرة حديثة في عدد من المدن هذا السؤال بصورة لافتة، بعدما تحولت مساحات إعلانية إلى منصات تعرض صور علماء وباحثين تركوا أثرًا في مسيرة البلاد العلمية والتكنولوجية، من بينهم علماء ارتبطت أسماؤهم بإنجازات غيّرت مسار الصين الحديثة.

قد يبدو المشهد للوهلة الأولى مجرد حملة بصرية أو مبادرة رمزية، لكنه يحمل دلالة تتجاوز الصورة نفسها: الأمم لا تبني مستقبلها بما تنتجه فقط، بل بما تختار أن تحتفي به.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، حين يتغير تعريف "النجومية".

فالمشكلة ليست في المشاهير.

الفن والثقافة والرياضة والترفيه أجزاء طبيعية من حياة أي مجتمع، ولا يمكن بناء نهضة حقيقية بإقصائها. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهرة معيارًا أعلى من الأثر، وعندما يتحول عدد المتابعين إلى مقياس للنجاح، فيما يبقى صاحب المختبر أو المعمل أو مركز الأبحاث مجهولًا خارج دائرته الضيقة.

في اقتصاد الانتباه الذي نعيش داخله اليوم، يستطيع شخص أن يصبح مشهورًا في أيام، بينما قد يحتاج عالم إلى عقود من البحث والعمل قبل أن يصل إلى اكتشاف يغير حياة الملايين.

المفارقة أن الأول قد يحظى بملايين النظرات، فيما لا يعرف كثيرون شيئًا عن الثاني.

لكن الأمم لا تُقاس فقط بما يشاهده الناس، وإنما بما يتعلمون أن يطمحوا إليه.

فالطفل الذي يرى العالم والباحث والمخترع في مقدمة المشهد، يتلقى رسالة مختلفة عن طفل لا يرى أمامه سوى المشاهير بوصفهم النموذج الأبرز للنجاح.

وهنا تتحول "القدوة" من قضية اجتماعية بسيطة إلى قضية تتصل بمستقبل الدولة نفسها.

لأن الأمم لا تصنع القوة فقط بما تملكه، وإنما بما تجعل أبناءها يحلمون بأن يصبحوا.

صناعة القدوة.. صناعة للمستقبل

قد لا تبدو صورة عالم على شاشة عملاقة قادرة على تغيير اقتصاد دولة، لكن النهضة لا تبدأ دائمًا من الأرقام، أحيانًا تبدأ من فكرة صغيرة تستقر في عقل طفل، من كتاب، من معلم، من مختبر، من جامعة، ومن صورة تقول لشاب في مقتبل العمر إن المعرفة يمكن أن تمنحه مكانة، وإن الاختراع يمكن أن يجعله بطلًا، وإن الأثر أهم من الشهرة.

هذه التفاصيل، حين تتراكم داخل مجتمع كامل، تصبح ثقافة.

والثقافة حين تتحول إلى سلوك، تصبح اقتصادًا.

والاقتصاد حين تسنده المؤسسات والمعرفة والبحث العلمي، يتحول إلى قوة.

لهذا لا يمكن فصل النهضة عن صورة الإنسان الذي تصنعه الأمة في مخيلتها.

وإذا عدنا بعجلة التاريخ إلى القرون الماضية، انتقالًا متدرجًا في مصادر القوة، حيث كانت الأرض والثروات الطبيعية أساسًا مهمًا للقوة، ثم جاءت الصناعة لتعيد رسم موازين العالم، ثم أصبحت المعرفة والبحث والتكنولوجيا محركات أساسية للتنافس بين الدول.

واليوم، مع صعود الذكاء الاصطناعي، تدخل البشرية مرحلة أكثر تعقيدًا. فلم يعد السؤال فقط: من يمتلك التكنولوجيا؟

بل: من يمتلك الإنسان القادر على إنتاجها وتطويرها واستخدامها؟

فالذكاء الاصطناعي لا يصنع الحضارة من العدم.

إنه يكشف قدرة الحضارات على توظيف ما تملكه من تعليم، وبحث، ومؤسسات، وعقول، ورؤية بعيدة المدى.

الدولة التي تمتلك أحدث الأدوات من دون أن تمتلك الإنسان القادر على استخدامها ستبقى مستهلكة للتكنولوجيا.

أما الدولة التي تستثمر في الإنسان، فإن التكنولوجيا تصبح امتدادًا لقدرتها، لا بديلًا عنها.

ليست الصين وحدها

المشهد الصيني ليس وصفة جاهزة يمكن استنساخها، ولا يعني أن طريق النهضة واحد.

لكن تجارب الدول التي نجحت في بناء مكانة عالمية تكشف حقيقة مشتركة: النهضة مشروع طويل، وليست حملة مؤقتة.

اليابان أعادت بناء قوتها عبر التعليم والصناعة والانضباط المؤسسي.

وألمانيا رسخت مكانة عالمية ارتبط جانب مهم منها بالهندسة والبحث والصناعة.

وكوريا الجنوبية تحولت خلال عقود من دولة فقيرة إلى قوة صناعية وتكنولوجية عالمية.

وسنغافورة، بالرغم من محدودية المساحة والموارد الطبيعية، جعلت من الإنسان والمؤسسة والتعليم ركائز أساسية لمشروعها.

قد تختلف التجارب في التاريخ والجغرافيا والموارد والنماذج السياسية والاقتصادية، لكن ما يجمع بينها أن الاستثمار في الإنسان لم يكن تفصيلًا هامشيًا في مشروع الدولة، كان في قلبه.

هنا لا تعود المسألة مرتبطة بالصين وحدها.

فلدينا في العالم العربي مثلًا علماء وباحثون وأطباء ومهندسون ومبتكرون ينافسون في جامعات ومختبرات ومؤسسات عالمية.

ولدينا شباب شديد الاتصال بالتكنولوجيا، وثروات قادرة على تمويل مشاريع طموحة، وإمكانات بشرية لا تنقصها القدرة.

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا هو:

هل أعطينا المعرفة المكانة الاجتماعية التي تستحقها؟

هل يعرف أطفالنا أسماء علمائنا كما يعرفون أسماء المشاهير؟

هل يعرفون قصة الباحث الذي أمضى سنوات في المختبر كما يعرفون تفاصيل حياة نجم على منصة اجتماعية؟

هل نقدم للعالم العربي نماذج حقيقية للنجاح العلمي والابتكار وريادة الأعمال كما نقدم نماذج الشهرة؟

المطلوب ليس أن نطفئ أضواء الفن، وإنما أن نفتح أضواء أخرى.

أن يكون للعالم شاشة، وللباحث مساحة، وللمخترع قصة، وللمهندس مكان في الذاكرة العامة، وللإنجاز العلمي حقه في الاحتفاء.

القمة لا تورّث

في القرن الحادي والعشرين، ستتنافس الدول على الرقائق الإلكترونية، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والأسواق.

لكن خلف كل هذه المعارك توجد معركة أكثر عمقًا:

معركة على الإنسان نفسه، على ما يتعلمه، وعلى من يراه قدوة، وعلى نوع الأحلام التي يزرعها المجتمع في رأسه.

فمن يملك خيال الأجيال القادمة، يمتلك جزءًا من مستقبلها.

وإذا كانت الدولة تريد أن تنتج عالمًا ومهندسًا ومخترعًا ورائد أعمال، فعليها أن تجعل هؤلاء الأشخاص جزءًا من الثقافة العامة، لا مجرد أسماء في كتب مدرسية.

فالإنجاز الذي لا يحتفي به المجتمع، يصعب أن يتحول إلى ثقافة.

والثقافة التي لا تصنع الطموح، يصعب أن تبني نهضة.

ولهذا تبدو صورة عالم على شاشة في قلب مدينة أكثر من مجرد صورة.

إنها إعلان عن نوع المستقبل الذي تريد الدولة أن تصنعه.

فحين تضع الأمة عالمًا في الواجهة، فإنها لا تحتفي بماضيه فقط، إنها تستثمر في خيال من سيأتي بعده.

وحين تجعل المعرفة والابتكار والإتقان جزءًا من تعريفها للنجاح، فإنها لا تغيّر المشهد البصري للمدينة فحسب، بل تعيد تشكيل سلم القيم داخل المجتمع.

وهذا هو جوهر المسألة.

ليست المعركة بين أمة العلماء وأمة المشاهير، وكأن علينا أن نختار أحدهما ونقصي الآخر.

المعركة الحقيقية هي بين مجتمع يجعل الشهرة غاية، ومجتمع يجعل الأثر غاية.

بين أمة تسأل: كم شخصًا يعرفك؟

وأمة تسأل: كم حياة غيّرتها؟

فالقمة لا تُورث، ولا تُشترى بالموارد وحدها، ولا تُحجز للأبد.

القمة تُبنى، وتبقى فيها الأمم التي تعرف أن أعظم استثمار يمكن أن تضعه أمام عيون أبنائها ليس صورة شخص مشهور، بل صورة المستقبل الذي تريد لأبنائها أن يصنعوه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.