نعم، هي عقاب جماعي لا رابح فيه، فالكل يطاله نصيب من لظى تلك المتلازمة المقيتة التي تضع زملاء العمل ومدراء الأقسام ومسؤولي الموارد البشرية تحت ضغوطات نفسية قوية تتبدل معها طرق وأساليب تعاملهم مع زميلهم أو زملائهم الذين تم إقرار فصلهم أو الاستغناء عنهم لسبب أو آخر قد لا يكون لهم فيه يد. فيبدأ الأمر مع مصدر القرار، سواء في مجلس إدارة الجهة أو إدارتها التنفيذية، الذين تحكم المتلازمة قبضتها عليهم لتضعهم في دائرة من الغضب والسخط والحدة عند الحديث والنقاش، في محاولة لإيجاد مبرر مُرضٍ ومريح لذواتهم التي أتعبها قرارهم الصعب، كجعل الموظف أو المجموعة المفصولة عبئًا على الشركة أو المنشأة، أو أنهم مقصرون في واجباتهم، وأن سلوكهم سيئ، وأنهم عائق أمام تقدم العمل وازدهاره.
ويتعاظم تأثير وضغط المتلازمة التي تتمثل في إبراز وتضخيم عيوب المفصولين وتصويرهم كأشخاص سيئين أو فاشلين على زملاء العمل، بدعم من مشاعر وأحاسيس وضغوط نفسية مختلفة، فالبعض من الزملاء تحاصره الأفكار السوداء خوفًا من أن يحل عليه الدور، ليقنع نفسه بأن من فُصلوا استحقوا ذلك جراء أخطائهم وإهمالهم وعدم مسايرتهم للإدارة، وأن ذلك سبب ومبرر كافٍ لقطع العلاقة معهم بشكل فوري.
أما البعض الآخر، فيدفعه الخوف والتوجس من مصير زملائه لدخول دائرة المقاطعة، وأحيانًا مهاجمة المغادرين، لا لكرهه لهم أو لسابقة سيئة جمعته بهم، ولكن طمعًا بتعزيز موقعه ومكانته لدى متخذي القرار. وفي زمننا هذا، ندر أن نجد في بيئات العمل من يشذ عن تلك الحال، كما قل وجود القادرين على التعامل بدبلوماسية وهدوء.
ويشتد تأثير المتلازمة على الموظف المفصول، خصوصًا في حالات الفصل الجماعي التي تتم بسبب إعادة الهيكلة أو لمواجهة التحديات الاقتصادية أو تعثر المنشآت وإفلاسها، في ظل تحول التعامل معه من التهذيب والأدب إلى الهجوم المباشر والتجريح غير المبرر، ويتفاقم تأذيه وتضرره من تلك المتلازمة إذا كان ذلك التحول صادرًا من زملاء جمعه العمل معهم لعقود وسنوات طويلة بانسجام وتناغم.
يصعب علينا تقديم نصيحة أو وصفة وقائية ناجعة للكل حيال هذه المتلازمة التي لها مبرراتها وأسبابها، نظرًا لأنها سلوك جماعي يتم بالمسايرة بين أفراد القطيع، أصبح عرفًا لا يسهل تغييره، ولكن حتمًا يمكننا تقديم الإجلال والتقدير لكل متخذ قرار واجه مشاعره وتحكم في أعصابه كيلا تخرجه هذه المتلازمة عن طوره، ولكل موظف أصيل تمكن من كبح جماح مخاوفه فلم ينسق وراء القطيع، وحافظ على نقاء تعامله مع زميله أو زملائه المغادرين، ولكل مفصول من عمله استطاع أن يتجلد بالصبر ولم يخرج عن طوره وتهذيبه، وهو يرى تبدل تعامل زملاء الأمس من الود إلى الجفاء، وتحول المزايا إلى عيوب بين ليلة وضحاها.


