: آخر تحديث
أضواء

في الرّقة السورية.. أوصياء يخنقون الثقافة!

0
0
0

في العدد الثاني من صحيفة "صوت الرافقة"، الصادرة عن مديرية الثقافة في الرّقة، وتحت عنوان "أزمة الثقافة ليست في المبدعين"، نشر الكاتب جمعة الحسين مادة يذهب فيها إلى أن أزمة المشهد الثقافي لا تكمن في غياب المواهب أو ندرة المبدعين، وإنما في وجود من يمكن تسميتهم "حرّاس البوابات الثقافية"، أولئك الذين يمنحون الاعتراف لمن يشاؤون، ويحجبونه عمّن يُخالفهم، وفق العلاقات والاصطفافات والمصالح الشخصية، لا وفق قيمة النص وأصالة التجربة.

وهذا التشخيص يصيب جانبًا مهمًّا من المرض، لكنه لا يصيب المرض كلّه.

فلماذا الإصرار على أن أزمة الثقافة "ليست في المبدعين"؟ ومن قال إن كل من حمل قلمًا، أو نشر نصًّا، أو أطلق على نفسه صفة شاعر أو كاتب أو ناقد، أصبح مبدعًا بالضرورة؟ أليست واحدة من أزمات الثقافة اليوم أيضًا في تضخّم أعداد الأدعياء، وفي سهولة الحصول على الألقاب، وفي غياب المعايير التي تفرّق بين الموهبة الحقيقية والادعاء؟

المشهد الثقافي لا يُخنق فقط من جانب الأوصياء، بل قد يُخنق كذلك بكثرة الأصوات التي تريد الاعتراف قبل أن تمتلك أدواته.

فالثقافة لا تقوم على النوايا الطيبة وحدها، والإبداع ليس لقبًا مجانيًا. هناك لغة يجب امتلاكها، ومعرفة ينبغي تحصيلها، وتجربة تحتاج إلى صقل، وقراءة طويلة تسبق الكتابة. أما أن يصبح النشر على وسائل التواصل الاجتماعي بطاقة عضوية في نادي المثقفين، وأن تتحول كثرة المنشورات إلى دليل على القيمة، فهذه أزمة أخرى لا تقل خطورة عن الشللية.

نعم، هناك في الرّقة من نصّبوا أنفسهم أوصياء على الثقافة، يحتكرون المنابر، ويعيدون تدوير الأسماء ذاتها، ويرفعون القريب ويقصون المختلف، ويتعاملون مع النشاط الثقافي كما لو كان ملكية خاصة. وهذه ممارسات ينبغي نقدها بلا مجاملة. فحين يتحول المنبر الثقافي إلى مجلس أصدقاء، وتصبح الدعوات والفرص محكومة بالعلاقات، لا بالكفاءة، فإن الثقافة تفقد معناها وتتحول إلى دائرة ضيّقة تعيد إنتاج نفسها.

لكن النقد لا يكتمل إذا جعلنا المبدعين جميعًا خارج دائرة المساءلة.

فكما أن هناك أوصياء على الثقافة، هناك أيضًا من يريدون اقتحام أبوابها بلا موهبة حقيقية، ومن يغضب إذا لم يُصفق له، ويعتبر النقد إساءة شخصية، ويطالب بمكان في المشهد لمجرد أنه يكتب. وبعض هؤلاء لا يقرأ إلا نفسه، ولا يراجع نصوصه، ولا يتقبّل ملاحظة، ومع ذلك يريد من المؤسسات والمنابر أن تعترف به "مبدعًا".

وهنا يُصبح السؤال أكثر قسوة: هل كل من استُبعد كان ضحية للشللية، أم أن بعض الاستبعاد سببه ببساطة ضعف التجربة ورداءة النص؟

إن الإنصاف يقتضي التفريق.

وفي الرّقة، المدينة الخارجة من سنوات الحرب والتهميش والخراب، نحن أحوج ما نكون إلى حياة ثقافية حقيقية، لا إلى توزيع ألقاب، ولا إلى صراعات شخصية، ولا إلى جمهور يصفق بعضه لبعض.

الرّقة تحتاج إلى الكاتب الموهوب، والناقد الصريح، والمؤسسة التي تفتح أبوابها للجميع ثم تجعل النص والكفاءة وحدهما معيار الحكم.

أما الثقافة التي تتحول إلى مجاملات متبادلة، فهذا "شاعر كبير" لأنه صديق، وذاك "كاتب مبدع" لأنه قريب من جماعة معينة، وثالث يُقصى لأنه لا ينتمي إلى الحلقة، فهي ثقافة مريضة مهما كثرت مهرجاناتها وصفحاتها وصورها.

المشكلة، إذًا، ليست في "الأوصياء" وحدهم، وليست في "المبدعين" وحدهم، بل في انهيار المعيار نفسه.

حين يغيب المعيار، يستطيع الرديء أن يطالب بمكان لا يستحقه، ويستطيع الوصي أن يمنع الموهوب من مكان يستحقه.

الثقافة السليمة لا تحتاج إلى حرّاس بوابات، لكنها أيضًا لا تحتاج إلى فتح الأبواب بلا شروط. تحتاج إلى باب مفتوح، نعم، ولكن أمام الموهبة والمعرفة والاجتهاد، لا أمام الادعاء والشللية والمجاملة.

فالرّقة لا ينقصها الضجيج الثقافي، ما ينقصها هو ميزان عادل يضع كل تجربة في مكانها الحقيقي، بعيدًا عن الأسماء والصداقات والأحقاد والألقاب المجانية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات