: آخر تحديث

إسبانيا تواطئ الديموقراطية مع العقلية الاستعمارية

1
1
1

يوم الثلاثاء الماضي تظاهر أنصار اليمين المتطرف في إسبانيا بمناسبة الذكرى السنوية لتمتيع سبتة بالحكم الذاتي في إطار الإدارة الاستعمارية الإسبانية. واحد من شعارات تلك التظاهرات هو مهاجمة حكومة بيدرو سانشيز والمطالبة بإسقاطها، ذلك أن موضوع سبتة المغربية تحول إلى موضوع انتخابي داخلي على الساحة الإسبانية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛وفي خضم التحشيد القائم يتم لعب ورقة المهاجرين. أبرز ما كشفته أحداث سبتة نهاية تموز/ يوليو الماضي كان تغلغل العقلية الاستعمارية داخل الرأي العام الإسباني، وعدم القدرة على عكس مبادئ الديموقراطية، التي لا تملّ إسبانيا من إعطاء الدروس فيها، على سلوكها الخارجي؛ ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يكون التخلص من الإرث الاستعماري والعقلية الاستعمارية من نتائج الانتقال الديموقراطي في إسبانيا، وامتلاك شجاعة الاعتراف بجرائم الحقبة الاستعمارية في شمال وجنوب المغرب وكل ما يتعلق بتركة الاحتلال، من دفع آلاف الأطفال والشباب المغاربة إلى أتون الحرب الأهلية الإسبانية، إلى واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية التي لا تزال آثارها موجودة إلى اليوم بحكم الانتشار الواسع لمرض السرطان في مدن شمال المغرب، فقد تعرضت منطقة الريف سنة 1924 للإبادة الجماعية من قبل الجيش الإسباني؛ وذلك عندما ألقيت على التجمعات السكانية الغازات السامة، خاصة غاز الخردل؛ وذلك قبل عام واحد من توقيع اتفاقية جنيف "لحظر الاستعمال الحربي للغازات الخانقة أو السامّة أو غيرها من الغازات والوسائل الحربية البكتريولوجية". هذا الغاز كان ثمرة تعاون بين الإسبان والألمان الذين كانوا يسهرون على برنامج سريّ للأسلحة الكيماوية. ورغم أن الحكومات الإسبانية حاولت طمس هذه الحقيقة، فإن عسكريين إسبان، ممن شاركوا في تلك الحرب القذرة على شمال المغرب، اعترفوا بذلك؛ من بين هؤلاء نجد بيدرو توندرا بوينو في سيرته الذاتية، التي نشرت عام 1974 تحت عنوان (أنا والحياة)،  وإغناسيو هيدالغو دي سيسنيروس في سيرته الذاتية المعنونة بـ (تغيير المسار)، والتي يعترف فيها بوضوح أنه قاد شخصياً عدداً من تلك الهجمات الكيماوية التي شنها الطيران الإسباني على مناطق واسعة من الريف؛ ذلك كلّه كان عقاباً جماعياً للريف على إذلال قوات عبد الكريم الخطابي للإسبان في معركة أنوال. بدل الاعتذار عن هذه الجرائم البشعة، نجد أن جميع التيارات السياسية في إسبانيا لا تخفي عداءها للمغرب، وكلّ ما هو مغربي، وكأنهم جميعاً يمارسون طقساً ينهل من وصية الملكة إيزابيلا. الأزمة أظهرت أيضاً ازدواجية في الخطاب والمواقف؛ ففي الوقت الذي تواجه إسبانيا احتلال بريطانيا لجبل طارق بصمت مؤدّب، يتظاهر متطرفوها للدفاع عن احتلال سبتة بشكل وقح.الأصل في العلاقات المغربية - الإسبانية هو التوتر، لكن البلدين تواطآ لسنوات طويلة على إدارته بشكل لا يفسد الشراكة القائمة بينهما، خاصة على المستوى الاقتصادي والأمني. لذلك تدرك كل من الرباط ومدريد الطابع الدوري لهذه الأزمات. في تموز/يوليو 2021، وفي أعقاب تصريحات ومواقف مستفزة لوزيرة الخارجية الإسبانية آنذاك أرانشا غونزاليس لايا، اختارت صحيفة "إلموندو" الإسبانية وصف الصمت المغربي بخصوص التعديل الحكومي الجزئي، الذي أجراه بيدرو سانشيز  وأطاح بأرانشا غونزاليس لايا، بعنوان "على الأقل هم هادؤون في المغرب"؛ وهو العنوان الذي يصلح اليوم لوصف الموقف المغربي تجاه العداء الذي أعلنه طيف واسع من الطبقة السياسية ووسائل الإعلام الإسبانية على خلفية أحداث سبتة نهاية تموز/ يوليو الماضي، حيث بلغ الأمر حدّ تمزيق ودوس العلم المغربي في إحدى المظاهرات. ردّ الفعل الإسباني الرسمي والشعبي المتشنج يشبه سلوك لصّ متلبس بالسرقة، ويريد أن يدفع التهمة عنه بكثير من الخفّة و"الفهلوة"؛ ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يكون منسوب الغضب مرتفعاً في المغرب، حدث العكس، إذ عبرت مختلف الأطراف في المغرب عن واقعية التعاون بين البلدين، وعن ضرورة بحث حلول لموضوع الهجرة، من خلال رؤية مشتركة لهجرة منظمة لا تجعل من المغرب حارساً لحدود إسبانيا أو ضحية لسياسات هجرة هي موضوع صراعات انتخابية وسياسية بين اليمين وأقصى اليمين واليسار في إسبانيا. وأن قضايا الاحتلال يجب معالجتها وتسويتها بشكل ثنائي.لقد أظهرت الأزمة أيضاً ضحالة المعرفة التاريخية لدى جزء واسع من النخبة الإسبانية التي يحركها العداء والحقد المتراكم، وفق ما تجلّى بوضوح في مضمون البرامج الإذاعية والتلفزية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي؛ وكلما أدركت هذه النخب بعض حقائق التاريخ، ازداد تشنجها بشكل مثير للشفقة، وهي تحمل شعارات مثل "سبتة إسبانية إلى الأبد"، علماً بأن المغرب لم يعترف يوماً بسيادة إسبانيا على سبتة ومليلية وبقية الجزر المحتلة.قديماً، وبسبب هوس وخوف الإسبان من المغاربة، كانوا يقولون عبارة “No hay moros en la costa” "لا يوجد مغاربة/موريون على الساحل"، وذلك لإرسال رسالة اطمئنان إلى السكان الإسبان وتبديد خوفهم من المغاربة القادمين عبر البحر. تعود جذور العبارة إلى فترة العصور الوسطى وحروب الاسترداد في إسبانيا (من القرن الثامن إلى الخامس عشر). يبدو اليوم أن هناك في مدريد من أقنع الإسبان بوجود المغاربة على الساحل!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد