في الطب، لا يبدأ السرطان كمرض شامل، بل يبدأ غالبًا بخلل في خلية واحدة، ثم ينمو وينتشر حتى يصبح قادرًا على غزو الأنسجة السليمة وتعطيل وظائف الجسد، وخطورة السرطان أنه لا يكتفي بإصابة جزء من الجسم، بل يحاول تحويل بيئة الجسد كلها إلى بيئة تخدم استمراره. وفي السياسة، هناك مرحلة تصبح فيها الأمراض المتفرقة داخل الدولة أكثر من مجرد أزمات عابرة، فعندما تجتمع الأورام السياسية، والنزيف المالي والإداري، والجلطة التي تعطل القرار، والزهايمر الذي يفقد الدولة القدرة على رؤية واقعها والتعلم من أخطائها، فإننا نكون أمام حالة أكثر خطورة، ألا وهي السرطان السياسي، وهو هنا ليس فساد مسؤول أو فشل حكومة، بل تحول الخلل إلى منظومة قادرة على حماية نفسها وإعادة إنتاجها. يصبح الفساد شبكة، والمحاصصة قاعدة، والامتيازات حقًا مكتسبًا، وتتحول المؤسسات من أدوات لخدمة الدولة إلى أدوات لخدمة المصالح التي نشأت داخلها.
وفي المراحل الأولى قد تبدو هذه الظواهر منفصلة، تجاوز للقانون هنا، استغلال للمنصب هناك، أو قرار يخدم فئة معينة، لكن الخطر يبدأ عندما ترتبط هذه الخلايا ببعضها، فتتحول من مخالفات فردية إلى بنية كاملة تقاوم الإصلاح، لأنها ترى في إصلاح الدولة تهديدًا لمصالحها. ومن أخطر أعراضه تراجع قدرة الدولة على توفير العدالة والفرص، فالفقر المدقع، وارتفاع البطالة، واتساع الفجوة بين فئات المجتمع، ليست دائمًا مجرد أرقام اقتصادية، بل قد تكون علامات على أن الدولة فقدت قدرتها على النمو السليم. فالدولة التي تملك الموارد لكنها تعجز عن تحويلها إلى تنمية وفرص عمل، تشبه جسدًا يملك الغذاء لكنه لا يستطيع توزيعه على أعضائه. ويظهر السرطان السياسي أيضًا عندما يضعف مفهوم الولاء الوطني، فتظهر ولاءات متعارضة تجعل بعض القوى تقدم مصالح خارجية أو فئوية على مصلحة الوطن. فالدولة لا تستطيع أن تكون قوية إذا أصبحت قراراتها موزعة بين مراكز تأثير متعددة، أو إذا تحولت السيادة إلى مساحة للتجاذب والنفوذ.
ومن أعراضه كذلك انتشار الجريمة المنظمة والمخدرات عندما تعجز مؤسسات الدولة عن المواجهة، أو عندما تجد هذه الظواهر بيئة حاضنة بسبب ضعف القانون وتراجع الرقابة. فالجريمة لا تنمو في الفراغ، بل تستفيد عادة من المناطق التي يضعف فيها حضور الدولة، ناهيك عن المحسوبية والمنسوبية التي ينتجها النظام القبلي، وهذه الأخيرة خطيرة جدًا لأنها تجعل المجتمع يفقد ثقته بالدولة نفسها. وعندما يصل المواطن إلى قناعة بأن القانون لا يحميه، وأن الفرص لا تُمنح على أساس الكفاءة، وأن المستقبل مغلق أمامه، فإن المرض يكون قد تجاوز المؤسسات إلى روح المجتمع.
إنَّ علاج السرطان السياسي لا يكون بتغيير الوجوه فقط، بل بإصلاح البيئة التي تنتج المرض: بناء مؤسسات قوية، وترسيخ سيادة القانون، وحماية المال العام، وتحقيق العدالة، وفتح الطريق أمام الكفاءات والأجيال الجديدة. فالسرطان السياسي لا يقتل الدولة لأنه أقوى منها، بل لأنه ينمو داخلها ويتغذى على نقاط ضعفها، ولذلك فإن أخطر لحظة ليست عندما يظهر المرض، بل عندما يصبح المرض جزءًا من حياة الدولة ويُعامل وكأنه طبيعتها الأصلية، حيث تأخذ الأعراف القبلية كرسي القانون كي تتحكم بأخطر مفصل من مفاصل العدالة وهيبة الدولة.


