: آخر تحديث

العاقل في بحثه عن المعنى

3
3
2

منذ أن بدأ الإنسان يعي وجوده، لم يتوقف عن التساؤل عما إذا كانت الحياة، في صورتها المباشرة، كافية بذاتها. فالأيام تتعاقب، والأحداث تتوالى، والإنسان يأتي إلى العالم دون أن يُستشار في مجيئه، ثم يجد نفسه فجأة داخل واقع لم يختر قوانينه ولا شروطه. ومع ذلك، لا يلبث أن يتجاوز سؤال البقاء إلى سؤال أعمق: إلى أين يقودنا كل هذا؟ ولماذا نعيش ما نعيشه؟ ذلك السؤال، على اختلاف صوره وتعبيراته عبر التاريخ، ليس في جوهره سوى سؤال المعنى.

العالم كثيرًا ما يخيب توقعات الإنسان بقدر ما يوقظ آماله. وقد تحمل الحياة لحظات من الفرح والامتلاء والجمال، لكنها لا تخلو، في أعماقها، من ذلك الشعور المأساوي بهشاشة الوجود، وبأن ما نملكه اليوم قد يفلت منا غدًا. نحن نولد دون اختيار، ونكتشف العالم كما يكتشف الطفل يديه للمرة الأولى، بفضول غامض ودهشة لا يعرف مصدرها. نلمس الأشياء ونتذوقها ونأكل ونشعر، وننصرف في البداية إلى ما هو قريب ومباشر، لكن الإنسان لا يبقى أسيرًا للقريب، إذ يمتلك قدرة استثنائية على أن يرفع بصره إلى ما وراء اللحظة، وأن يتخيل واقعًا آخر غير الواقع الذي وجد نفسه فيه. ومن هنا تبدأ الفلسفة، لا بوصفها ترفًا فكريًا، بل بوصفها استجابة طبيعية لذلك القلق الذي يرافق الوعي الإنساني.

فالحاجة إلى المعنى ليست امتيازًا للفلاسفة، ولا مسألة تخص النخب الفكرية وحدها، وإنما هي حاجة أصيلة في الإنسان. حتى من لم يقرأ كتابًا في الفلسفة قد يجد نفسه، في لحظة حب أو فقد أو فشل أو مرض أو وحدة، أمام السؤال ذاته: ما معنى كل ما حدث؟ نحن لا نكتفي بأن نعيش الوقائع، بل نريد أن نفهمها، وأن نضعها داخل سياق يجعلها قابلة للتفسير. لا يكفينا أن نعرف ماذا حدث، نريد أن نعرف لماذا حدث، وإلى أين يقودنا، وما الذي يمكن أن يعنيه بالنسبة إلى حياتنا.

ولذلك فإن المعنى ليس شيئًا جامدًا نعثُر عليه كما نعثر على حجر في الطريق، فقد يُكتشف، وقد يُصنع، وقد يُمنح، وقد يُعاد بناؤه بعد أن تهدمنا الأحداث. لكنه، في جميع الأحوال، يرتبط بإدراك عميق بأن الحاضر لا يستنفد وجودنا، وأن الإنسان لا يمكن اختزاله في مجموع الوقائع التي مر بها. إن قدرتنا على الشعور بخيبة الأمل من العالم تفترض، بصورة ما، أننا نملك تصورًا عن عالم كان ينبغي أن يكون مختلفًا، أكثر عدلًا، أو أكثر صدقًا، أو أكثر جمالًا. ومن هنا يمكن فهم الصلة بين المعرفة والذاكرة عند أفلاطون، وبين الحنين والمعنى عند ألبير كامو. فالإنسان ليس مجرد كائن يعيش داخل الواقع، بل هو كائن يتطلع باستمرار إلى ما يتجاوز الواقع القائم.

ولعل المعنى، قبل أن يكون تفسيرًا، هو اتجاه. إنه علامة تشير إلى طريق، وتوحي بأن ما نعيشه الآن ليس بالضرورة المحطة الأخيرة. ولذلك فإن البحث عن المعنى يتضمن دائمًا نوعًا من التطلع إلى المستقبل. نحن نريد أن نعرف إلى أين يقودنا الألم، وما الذي يمكن أن يمنحه الفشل لحياتنا، ولماذا كان علينا أن نفقد من أحببنا، وما إذا كانت التجارب التي تبدو الآن عبثية ستصبح يومًا جزءًا من صورة أكبر. ومن هنا يقترب المعنى من الأمل، لا بمعناه الساذج الذي يفترض أن الحياة ستنتهي دائمًا وفق رغباتنا، وإنما بمعنى الإيمان بأن ما نعيشه يمكن أن يجد موضعًا داخل قصة أوسع من اللحظة الراهنة.

ولهذا يمنح المعنى حتى الألم إمكانية جديدة للفهم. إنه لا يلغي الحزن، ولا يجعل الخسارة أقل قسوة، لكنه يحول دون أن تتحول التجربة الإنسانية إلى مجرد سلسلة من الوقائع العمياء. فالإنسان لا يريد فقط أن يعرف أنه تألم، بل يريد أن يعرف ماذا صنع به الألم، وما الذي يمكن أن يبقى منه بعد أن ينقضي. وربما كان هذا أحد أسرار قدرتنا على الاحتمال، فنحن نستطيع في بعض الأحيان أن نتحمل الألم حين نعرف لماذا نتحمله، بينما يصبح الألم أكثر قسوة حين يبدو بلا غاية ولا تفسير.

ونحن نعرف أن للحياة نهاية، فالموت حاضر في تجربة الإنسان من خلال فقد الأحبة ومن خلال إدراكه لحتميته الشخصية، لكن ما لا نعرفه باليقين نفسه هو ما إذا كانت للحياة غاية. في المجتمعات القديمة كان الإنسان يجد جزءًا كبيرًا من هويته ومعنى وجوده داخل أطر جاهزة: الأسرة والمجتمع والدين والتقاليد والمهنة والمكانة الاجتماعية. كانت هذه الأطر تمنحه اتجاهًا قبل أن يضطر إلى اختياره بنفسه. أما الإنسان الحديث فقد ورث شيئًا بالغ الأهمية، لكنه شديد التعقيد أيضًا: الحرية.

فالحرية تمنح الإنسان إمكانات هائلة، لكنها تحمله في الوقت نفسه مسؤولية الاختيار. ولهذا بدت الحرية عند سارتر عبئًا وجوديًا بقدر ما هي تحرر، فأنت حر، ولذلك فأنت مسؤول عما تختاره وما تصنعه من حياتك. وحين تتراجع سلطة التقاليد والمرجعيات الموروثة، يجد الإنسان نفسه أمام عدد لا يكاد ينتهي من الإمكانات، لكن هذا الاتساع في الخيارات قد يتحول إلى نوع من الضياع. فليس أصعب من أن تكون قادرًا على أن تصبح أشياء كثيرة، من دون أن تعرف أي شيء منها يستحق أن تكونه.

ومع ذلك، ثمة فرق جوهري بين أن يعجز الإنسان عن العثور على معنى، وبين أن يتخلى عن البحث عنه. فقد يكون فقدان المعنى مرحلة عابرة من مراحل الوجود، أما التخلي عن البحث فهو استسلام للعبث. الإنسان لا يصبح أكثر حكمة حين يتوقف عن طرح الأسئلة الكبرى، بل حين يتعلم كيف يعيش معها دون أن يفقد قدرته على الرجاء والعمل.

فنحن، قبل كل شيء، كائنات لا تكتفي بالوقائع. نبحث عن الأسباب والتفسيرات والروابط، ولا يكفينا أن نعرف أن شيئًا وقع، بل نريد أن نفهم لماذا وقع. ولهذا يكون الألم، في كثير من الأحيان، أكثر احتمالًا حين نستطيع أن نضعه داخل معنى. أما الألم الذي يبدو بلا سبب، والظلم الذي لا يمكن تفسيره، فيكون أكثر قسوة، لأنه لا يؤذي الإنسان في جسده أو مشاعره فحسب، بل يهز تصوره عن العالم ذاته. وحين تكون الحياة ميسرة، يستطيع الإنسان أن يؤجل أسئلته الكبرى، لكن عندما تنهار الأشياء التي كان يظن أنها ثابتة، يعود السؤال إلى الواجهة بإلحاح: لماذا ينبغي أن أواصل؟ هنا يصبح المعنى ضرورة وجودية، لا مجرد فكرة فلسفية.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل المعنى يُكتشف أم يُصنع؟ ربما لا توجد إجابة واحدة ونهائية. قد يكون للوجود معنى موضوعي يتجاوز الإنسان، وقد يكون المعنى شيئًا نصنعه من خلال اختياراتنا وعلاقاتنا ومشروعاتنا، وربما يكون الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك كله، فبعض المعاني نكتشفها، وبعضها نصنعه، وبعضها لا يظهر إلا بعد أن نعيش التجربة زمنًا كافيًا يسمح لنا برؤية ما لم نكن قادرين على رؤيته في لحظتها.

لكن ثمة حقيقة تبدو أكثر رسوخًا: لا يستطيع الإنسان أن يستمد معنى حياته من حياته وحدها بصورة مكتملة. فإذا حاولنا تفسير الحياة بالحياة وحدها، سنظل ندور داخل الدائرة نفسها. نحن بحاجة إلى شيء يتجاوز اللحظة: قيمة نؤمن بها، أو علاقة نعتز بها، أو مشروع نكرس له حياتنا، أو إنسان نحبه، أو قضية ندافع عنها، أو جمال نرغب في حمايته. ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: ما معنى الحياة؟ وإنما: ما الشيء الذي يجعل حياتي جديرة بأن تُعاش؟

وقد لا يكون هناك معنى واحد للحياة يصلح لجميع البشر. وربما كانت إحدى مشكلات الإنسان المعاصر أنه يبحث عن إجابة كونية لسؤال شخصي للغاية. فقد يجد إنسان معنى وجوده في الكتابة، وآخر في تأسيس أسرة، وثالث في رعاية إنسان يحتاج إليه، ورابع في البحث عن الحقيقة، وخامس في خدمة قضية يؤمن بها. وفي كل هذه الصور يظهر الحب بوصفه واحدًا من أكثر مصادر المعنى أصالة.

فنحن لا نعيش لأنفسنا وحدنا. إن أعظم ما يمنح وجودنا وزنه هو استعدادنا للخروج من حدود ذواتنا وربط مصيرنا بشيء أو شخص يتجاوز مصلحتنا الفردية. ومن هنا يمكن إعادة قراءة فكرة "حب القدر" عند نيتشه، فربما لا يكمن الخلاص في أن نحب ما يحدث لنا فحسب، بل في أن نجد في العالم ما يستحق أن نحبه ونحميه ونكرس له جزءًا من وجودنا.

والحياة ذات المعنى ليست بالضرورة حياة ناجحة وفق مقاييس الثروة أو الشهرة أو القوة. فقد يكون الإنسان الأكثر امتلاءً بالمعنى هو ذلك الذي لا يعرفه أحد، لكنه عاش من أجل شخص أحبه، أو قيمة دافع عنها، أو عمل صغير رأى فيه واجبه تجاه العالم. فالمعنى لا يحتاج إلى جمهور، ولا إلى تصفيق، ولا إلى اعتراف اجتماعي. إنه يتحقق حين يشعر الإنسان بأن وجوده ليس مجرد حضور عابر، بل استجابة لشيء يستحق أن يُفعل.

عندها لا تعود الحياة مجرد تعاقب للوقائع، ولا يصبح الإنسان مجرد كائن يقاوم الزمن حتى يصل إلى نهايته، بل يتحول وجوده إلى قصة تتجه نحو غاية، وإرادة تبحث عن قيمة، ووعي يحاول أن يجعل من وجوده شيئًا يستحق أن يُروى. وربما لهذا السبب تحديدًا يظل الإنسان، مهما بلغ من المعرفة والقوة، ذلك الكائن العاقل الذي لا يكف عن البحث عن المعنى، لأن حاجته إلى المعنى ليست سؤالًا يطرحه على الحياة فحسب، بل هي الطريقة التي يحاول بها أن يجعل من حياته جوابًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.