: آخر تحديث

أنا ضد السنّة والشيعة والكرد والعرب!

0
0
0

هكذا أجبت هانسن عندما سألني: أنت مع من؟

في لقاءٍ جمعني بالسيد هانسن، المعروف باطلاعه الواسع على شؤون الدول العربية وثقافاتها، تنقّل الحديث بين السياسة والمجتمع والأدب، قبل أن يستقر عند روايتي "رقصة داكنة" التي تناولت فترة حرجة من تاريخ العراق الحديث.

وبعد حديث طويل عن تفاصيل الرواية، والحديث عن الولاءات والمصالح المتضاربة، فاجأني هانسن بسؤال لم أتوقعه:

  • بعد أن قرأت روايتك، لم أستطع أن أحدد موقفك. أنت مع مَن؟

نظرت إليه وسألته:

  • ماذا تقصد؟

قال موضحًا:

  • هل أنت مع السنّة أم الشيعة؟ مع الكرد أم العرب؟

أجبته بهدوء:

  • أنا ضد الشيعة.

وتوقفت للحظة، وكأنني أنتظر ردّة فعل الحاضرين، ثم أكملت:

  • وأنا ضد السنّة والكرد والعرب، والمسيحيين والإيزيديين.

اتسعت عينا هانسن دهشة، وقال:

  • لم تُبقِ أحدًا، إذن أنت ضد كل العراقيين؟

قاطعته قائلًا:

  • لا يا عزيزي. أنا ضد كل من يقدّم مذهبه أو قوميته أو دينه على اسم العراق. لا أدعم من يعرّف نفسه بمذهبه قبل عراقيته، أو بقوميته قبل انتمائه الوطني، أو بدينه قبل هويته العراقية. أنا مع كل العراقيين الذين يعرفون أن انتماءهم للعراق يسبق الانتماء الفئوي والطائفي والعرقي.

ابتسم هانسن ابتسامة ماكرة فاسترسلت.

  • أزور العراق سنويًا وألتقي في الشارع العراقي بالسني والشيعي والعربي والكردي، ونادرًا ما ألتقي بعراقي.

صفق أحدهم، ثم دوّى التصفيق في القاعة، وكان بين المصفقين عراقيون من مختلف الأطياف، ومن بينهم من هز رأسه موافقًا، ومن ابتسم لي وأومأ برأسه.

وبعد أن عدت إلى البيت وفكرت: ماذا لو سألني أحد: هل سيعرّف هؤلاء المصفقون أنفسهم أولًا بأنهم عراقيون، قبل أن يقولوا: سنّي أو شيعي، كردي أو عربي، مسلم أو مسيحي أو إيزيدي؟

سأقول: عندي شك بالموضوع.

ليس لأنني أشكك في صدق مشاعرهم، بل لأن تجربتنا الطويلة والمريرة لم تمنحنا، حتى الآن، الوعي الكافي لندرك حجم الدمار الذي ألحقناه بأنفسنا وبوطننا، حين سمحنا للهويات الفرعية أن تكبر على حساب الهوية الوطنية.

من وجهة نظري، يمكن أن نختلف في انتماءاتنا، وأن نحمل مذاهب وأديانًا وقوميات مختلفة، لكن لا ينبغي أن نختلف على العراق.

العراق هو الأساس، بيت الجميع، وكل ما عداه تفاصيل.

وبينما كنت أفكر في هذه الفكرة، خطر لي سؤال أكثر إيلامًا:

من المستفيد من كل هذا التفريق؟

لقد نجح السياسيون "الفارغون من أي فكر أو برنامج سياسي"، وعلى مدى سنوات طويلة، بالتلاعب بعواطف الناس وتفريقهم إلى جبهات، فحوّلوا هذا الاختلاف إلى خوف، والخوف إلى كراهية، والكراهية إلى استعداد للموت.

والأخطر من ذلك، أن كثيرين صاروا يسيرون نحو حتفهم وهم يبتسمون، غائبين عن الواقع، مسكونين بخيالات وأفكار متوارثة، زُرعت في عقولهم منذ الطفولة، وتناقلتها الأجيال من أب إلى ابن، ومن جد إلى حفيد.

وأرى المأساة الحقيقية في أنهم: لم يعودوا بحاجة إلى من يقودهم إلى الموت، فقد تعلموا الطريق بأنفسهم.

حتى أصبح المواطن، في لحظة ما، مستعدًا لأن يمضي إلى حتفه مبتسمًا، مقتنعًا بأنه لا يموت من أجل من استغلّه، بل من أجل طائفته أو قوميته أو جماعته.

وفجأة، سمعت صدى كلمات نبينا الأكرم تتردد في أذني: "دعوها فإنها منتنة".

إذن هذا السلوك لا علاقة له بالدين.

وإلا كيف يكون الدين سببًا في فرقةٍ نهى عنها نبيّه؟ وكيف يُرفع اسم الدين في معركةٍ تُداس فيها قيمه؟ لقد قال الرسول كلمته واضحة في وجه العصبية، لكنهم أداروا ظهورهم لمعناها، ثم مضوا يحرّكون المشاعر بوشاح الدين.

هذا الوشاح في حقيقته، وفي كثير من الأحيان، هو نفعية وانتهازية سياسية، تتخفى خلف العاطفة الدينية والطائفية.

يستثيرون الناس بما يؤمنون به، ثم يدفعونهم إلى صراعات لا يخدمون فيها دينًا ولا وطنًا، بل يخدمون مصالح من أشعلوا النار وبقوا بعيدين عنها.

وهكذا، لا يكون الدين هو الذي فرّقنا، بل الذين استخدموا اسمه وهم يضربون أقوال النبي وقيمه عرض الحائط، ويُغرقون الناس في إيحاءات دينية تخدّر العقل وتُلهب العاطفة.

فالمأساة ليست في أن نؤمن، ولا في أن نختلف، بل في أن نسمح لمن يستغل إيماننا واختلافنا بأن يجعل منا أدواتٍ نمضي بها إلى حتفنا، مؤمنين أننا ماضون لإحقاق الحق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.